رد: الخصوصية في الثقافة القومية العربية
الإنتاجية والشروط الذاتية والموضوعية:
لا تعبر الإنتاجية عن نمط الإنتاج ووسائله فقط, بل تعبر أيضاَ عن العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية, كما تعبر عن المعايير الأخلاقية والقيم والاتجاهات
وهذا يقتضي إجراء تحديد شامل وموضوعي ودقيق لكل من الحاجات الاجتماعية والفردية وللإمكانات والموارد إضافة إلى تحديد القدرات المناسبة للعمل.
ولا تكون عملية تجاوز التبعية والتخلف في عصر التقدم المتسارع والمذهل للعلم والتكنولوجية ممكنة بدون ( استيعاب هذا العصر أي استيعاب معرفة ووسائل إنتاج البلدان المتقدمة لتحقيق نمطها الإنتاجي نفسه لتصبح في درجة تفوقها نفسها وتخطي ذلك بهدف تحقيق السبق). هذا الهدف البعيد والصعب يمكن أن يوضع له المعايير التي تقيس مدى تقدمه نحو مواكبة العصر في شرط من شروطه هو التحكم بالبيئة.....
لكن رفع مستوى الإنتاجية يستلزم أيضاَ شروطاَ لازمة وضرورية منها الحفاظ على الموارد الطبيعية ,والحد من سرعة استنفادها, إضافة إلى صيانة البيئة بما يسمح في إبقائها مجالا حيوياَ يسهم في فسح المجال لعمليات إنتاجية متنوعة الأشكال والأهداف
وإذا تأملنا هذه الأهداف والشروط العامة فسنصل إلى نتيجة تشكل الهدف الهام والشرط الجوهري في ذلك ألا وهو الشرط البشري. إن اتباع سياسة مناسبة تؤدي إلى امتلاك الوسائل والطرائق المجدية لتكوين كادر من العاملين المنتجين هو وحده الكفيل بتطوير قدرات الإنسان وإطلاق طاقاته الإبداعية. ومن شأن عملية التكوين هذه أن تؤثر في الشروط الأخرى. ولنتأمل علاقة ذلك بالبيئة مثلاَ, فنرى أن الفتك بالبيئة وتلوثها إنما يتمان على يدي الإنسان نفسه, حتى أن أزمة البيئة غدت أزمة عالمية شملت بلدانا مختلفة الاتجاهات ومتفاوتة من حيث درجة التقدم والصناعي. فالإنسان وحده هو القادر على الحفظ على البيئة من أن يدمرها التقدم الاقتصادي, وهوا لذي يستطيع أن يؤمن للطبيعة قدرتها على التحديد ويوجه فاعليته بحيث يكون << استخدام المواد الأولية والطاقة عند إنتاج السلع وتوفير الخدمات العامة في حدود أقل كمية ممكنة لكي تحقق أكبر فائدة بأقل قدر من الموارد>>(20).
ويرتبط الشرط البشري ورفع كفايته, إلى حد بعيد وبصورة أساسية, بشعور العامل المنتج بأن حاجاته ملباة. وأن الاتقاء بتلبية الحاجات وفق بناء هرمي لا يعني الاتجاه نحو الحاجات العليا وإهمال الدنيا.إذ لا يمكن تلبية تلك الحاجات إذا كانت حاجات قاعدة الهرم محبطة, ولعل ترتيب( ماسلو) لهذه الحاجات هو الأقرب لإيضاح ذلك, حيث تقع في أسفل الهرم الأمور الأساسية المتمثلة بحاجات الإنسان إلى الطعام والماء والدفء والجنس وذلك بتوفير المأكل والشراب والملبس والمأوى والتكاثر. وتستلزم تلبية هذه الحاجات شروطا صحية تتعلق بشروط عمل مرضية وبتحديد لساعات العمل لصالح وقت أكبر من الفراغ, وابتعاد عما ينهك العضلات والانزعاج إضافة إلى المزيد من الأجر.
ويتمثل المدماك الثاني من هرم الحاجات بالنواحي التي تتعلق بحاجة الأمن التي تتضمن أسس وقواعد الحماية والأمن والنظام. وحسب فلسفة ( هيرزبرغ) تنطوي العوامل المتعلقة بهذه الحاجة على شروط لا بد منها تتمثل الضمان ضد الأخطار الخارجية, والاطمئنان إلى وجود راتب تقاعدي, ووجود شكل من أشكال الضمان الصحي والاجتماعي, مراعاة مبدأ الأقدمية في العمل وتحديد مستويات الأداء وتحقيق
شروط الأمن الصناعي. تفسح هذه العوامل والشروط مجالاَ صحياَ للإنتاجية فلا تعترضها معوقات تخلق لدى العاملين نشاطات غير مقبولة وروتينية لامكان للإبداع فيها مما يؤدي إلى نشوء حالة من التعارض بين حاجات العامل الشخصية وبين العمل نفسه. ذلك أن توقف حماية الأمن وازدهار الاقتصادي يؤثر سلباَ في إحساس الفرد بالانتماء الذي يواكبه نضج الشخصية.
وإذا نظرنا إلى كل من الشروط الصحية والعوامل المؤدية إلى الأمن والاطمئنان نرى أنها عوامل تتعلق بما يحيط بجو العمل ويتفق مع شروطه بحيث يغدو الأمر ملائماًْ لنمو الإنتاجية وتقدمها. أما الشعور بالحرية فيشكل المدماك الثالث في هرم الحاجات بحيث أن الإنسان يحتاج لأن يشعر بأنه كائن مرغوب فيه وأن له مكانة بين الآخرين وإلا فإن شعوراَ بالغربة سوف يحول بينه وبين أن يعطي الإنتاجية جهده بحيث لا يؤدي إلى هدر في الموارد فحسب, بل وإلى تبديد الجهد ذاته. وما من شك في أن الشخصية المغتربة تكون على طرفي نقيض مع الشخصية المطمئنة التي تعد شرط الإنتاج والاقتصاد. واتجاه العامل نحو الأعمال ذات الفعالية مرهون بتحقيق هذه الحاجة بحيث يصبح المرء قادراَ على البحث عن الوسائل المحفزة لذلك من حلال سعيه للبحث عن الأصدقاء الودودين مما يعضد انتمائه وفتح المجال للتفاعل مع الآخرين والاتصاف بعلاقات شخصية ممتازة ونجاح في العمل مع الجماعة.
وفي صعود هرم الحاجات إلى المدماك الرابع تأتي ( منزلة الشخص) المتمثلة بطموحات خاصة ومميزة تقوده إلى النجاح والتفوق. وتتمثل الوسائل التي تحفز الفرد لتحقيق هذه الحاجة بحسب ( هيرزبرغ) بالالتزام بالعمل الذي يوجب إظهار الكفاءات التي تؤدي إلى شهرة اجتماعية ومهنية. وهنا يصبح النجاح مبنياَ على الجدارة, وحث الفرد على المشاركة بأفضل أشكالها في العمل مما يؤدي إلى حصول الفرد على حاجته إلى النجاح والتقدير. ولكن ذلك ليس مفروشاَ بالزهور إذ أن تحقيق ذلك يظل مشروطاَ باستجابة -الآخرين. وفي قمة هرم الحاجات تتربع الحاجة إلى تحقيق الذات التي هي مصدر للإبداع لا عند النابغين فحسب, بل وفي الحياة اليومية, ويرى ( روجرز) أن الإبداع يصدر أساساَ عن ميل عند الإنسان لتحقيق ذاته. فالفرد عندما تتفتح أمامه كامل قدرته يصبح سلوكه إبداعياَ(21).
وفي حالة إرضاء هذه الحاجة يصل المرء إلى منزلة الإرضاء الذاتي ويتم ذلك على مستويي الإنجاز والمعرفة. أما الوسائل التي تحفز إلى ذلك فتتمثل في قدرات الفرد وإمكاناته لإرضاء ذاته والبحث عن المكانة الاجتماعية والعمل المبدع ومواجهة التحديات, إضافة إلى الشعور بالاستقلالية والحرية وممارسة فن القيادة. ومرة أخرى نذكر بأنه ليس باستطاعة الفرد إشباع مستوى من هذه المستويات الخمسة قبل إشباع المستوى الذي هو أدنى منه.
إن تركيزنا على تلبية الحاجات الفردية على مختلف مستوياتها لا يعني الاهتمام بعلاقة الفرد بنوع العمل لأنه القمين برفع مستوى الإنتاجية فحسب. فلا الفرد ولا العمل موجودان في دائرة مغلقة أو في قلع بلقع ..
بل إن المناخ الاجتماعي هو القادر على أن يساعد أو يعيق الإنتاجية ويوجهها أيضاَ . وهذا المناخ الاجتماعي للعمل يهيئ الظروف المساعدة على النهوض بالإنتاجية ويتهيأ ذلك من خلال المشاركة الجماهيرية في التنمية وفي رسم الخطط الإنتاجية وتنفيذها.
المشاركة الجماهيرية:
تقتضي تنمية الكوادر البشرية في البداية رفع شبح التسلط والقمع والإرهاب وإيجاد آليات
لتحقيق المشاركة الفعلية في تحديد الحاجات والأهداف ومن بعد ذلك الإسهام في اتخاذ القرارات وتقويم مراحل التنفيذ والمتابعة ضمن إطار احترام حقوق الإنسان. ويرى ( إريك فروم) أنه إذا أمكن جعل العمال مشاركين نشيطين ومسؤولين وواعين لدورهم في العملية
الإنتاجية ن فإن هؤلاء السلبيين غير المكترثين يمكن أن يصحوا على درجة عالية من الحيوية والقدرة والابتكار وخصوبة الخيال والرضا عن النفس. ولا يكون هذا الأمر ممكناَ إلا بوساطة إدارة إنسانية تحل محل الإدارة البيروقراطية كشرط من شروط المشاركة النشطة والمسؤولة فالإدارة البيروقراطية مميتة لأنها تدير شؤون العاملين كأنهم مجرد أشياء , وتنظر إلى الجانب الكمي في الأشياء أكثر من الاهتمام بنوعيتها. وهي تبني قراراتها على قواعد ثابتة مبنية على بيانات إحصائية. ولا تكون قرارات البيروقراطي استجابة للكائنات الإنسانية الحية التي تقف أمام مكتبة(22).
والمشاركة الجماهيرية الفعالة هي ما كانت مستمرة وشاملة لجميع الشعب وفي مختلف مراحل التنمية, لأن التنمية وفق المفهوم لا تكون محصورة في تحقيق أهداف سياسية واقتصادية فحسب , بل تستجيب أيضاَ للمتطلبات الثقافية والاجتماعية في سياق تنمية موحدة متعددة الأشكال متوازنة , إضافة إلى مراحل النظرة التكاملية من حيث امتداد هذه المشاركة إلى مراحل العملية كاملة: من المبادرة إلى التصميم فإعداد الخطط واتخاذ القرارات والتنفيذ والتسيير والمتابعة والتقويم وإعادة توجيه الخطة وأخيراَ المبادرة الجديدة(23).
أي أن البرامج والمشاريع لا تملى إملاء, وإنما يجب إفساح المجال فيها وتشجيع انبثاقها من القاعدة الواسعة لتكون المشاركة معبرة عن حرية الجماهير وإرادتها واختيارها.
واعتماداَ على مبدأ المشاركة الجماهيرية تغدو المنشأة الاقتصادية, أية منشأة, لا مجرد مؤسسة اقتصادية تكنولوجية بل مؤسسة اجتماعية يقوم كل أعضائها بأدوار شخصية في دورة حياتها وفي أسلوب تسييرها..
فأمورها وفق هذا المنظور تصبح شأناَ يخص كل عضو فيها(24).
ويعيد كثير من الخبراء فشل السياسات التنموية في البلدان الأقل تقدما إلى إهمالها الواضح لمشاركة الجماهير. فالمشاركة هنا لا يقصد منها أن تكون وسيلة إنمائية بقدر ما هي تعبير عن حاجة إنسانية أساسية, وحق من حقوق الإنسان باعتباره من صناع التنمية ومن المستفيدين والمنتفعين بها.
موقع الفرد في منظومة العمل المنتج:
من الشروط التي تحدد مستوى الإنتاجية ما يتعلق بوضع العامل أو الفرد في منظومة العمل. فالمشاركة الشاملة والمستمرة ينبغي أن يتم بموازاتها فعل يعتمد على خطط شاملة تستند إلى معرفة دقيقة بمجالات العمل وأشكاله وطبيعة كل جزء من أجزائه, لموازنة حاجات الفرد وقدراته مع حاجات العمل ومتطلبات النجاح فيه, وتجنب الهدر في طاقات العنصر البشري من جهة, والتخلص من شعور معظم المؤسسات بثقل التكاليف التي تترتب عليها من جراء استخدام العنصر البشري وعدم استخدام طاقاته وقدراته في تحقيق إنتاجية أفضل من جهة أخرى.
لذلك يغدو مطلوباَ تحليل العمل بتجميع المعلومات عنه ورسم خريطة له تساعد على تحديد الموقع التنظيمي وعلاقته بالوظائف الأخرى الأدنى منه والأعلى وتوضح النشاطات الخاصة به وارتباطها بالأعمال
والواجبات التي تكون العمل نفسه(25). ويقتضي هذا البحث عن أفضل السبل لملاءمة استعدادات الفرد العقلية ومهاراته وخبراته للعمل, وتوافر الرغبة في العمل حيث يؤدي ذلك إلى استمتاعه به. ولا يخفى ما لذلك من أثار إيجابية على الصحة النفسية للعامل التي هي أحد الشروط التي لا غنى عنها في رفع مستوى الإنتاجية. ويستدعي ذلك ايلاء عملية التوجيه والإرشاد المهنيين الاهتمام اللازم والاستفادة من النتائج التي تقدمها, مما يقلل من الآثار السلبية لعمليات اختيار المهنة التي هي في الواقع لا تستند إلى أية أسس موضوعية, مما يؤدي إلى حالة تردي الإنتاجية السائدة....
التوجيه المهني والإرشاد:
يهتم علم النفس الصناعي بميدان العمل والإنتاج من خلال دراسته لمسائل الاختيار المهني والتوجيه والإرشاد والتأهيل والتدريب وغيرها.
فإذ يركز الاختيار المهني على اعتماد أفضل الطرق والوسائل لانتقاء العاملين المناسبين لعمل ما, وذلك من خلال تحليل العمل وتحديد الخصائص والصفات الجسمية والنفسية المختلفة التي لها علاقة بأساليب الأداء, فإن التوجيه والإرشاد يعكسان العملية بحيث تنصب الجهود على تحديد نوع العمل المناسب لشخص ما.
وتثبت الأبحاث النفسية والاجتماعية نجاح التوجيه المهني في ارتفاع مستوى أداء العمل وتحقيق الطمأنينة للعامل ورضاه عن عمله مما يقلل من ظاهرة ( دوران العمل) التي تشكو منها المؤسسات الإنتاجية والتي تهدد الإنتاج بالخسائر.
أما الإرشاد فيقصد به تلك العملية التي ترافق الفرد ابتداء من مرحلة التوجيه المهني إلى مراحل ممارسته العمل فعلاَ فهو متمم للتوجيه المهني. فإذ يساعد التوجيه على التقليل من المشكلات التوافقية في العمل إلا أنه لا يقضي عليها تماماَ ,فثمة مشكلات ابرز خلال ممارسة العامل للعمل ومشكلات أخرى تتعلق بالجو العام والمشكلات الأسرية والصلات والعلاقات الاجتماعية داخل العمل وخارجه قد تؤثر سلباَ في نشاط العامل وهنا دور الإرشاد للمساعدة على إعادة التوازن المطلوب(26).
أسباب ضعف الإنتاجية في الوطن العربي:
إذ كانت الظروف البيئية ذات أثر فعال في شخصية الإنسان, وبالتالي على نشاطه في مجالات العمل والإنتاج, فتحقيق المناخ الطبيعي المناسب يغدو ضرورياَ لا بد منه في رفع مستولى أداء العامل. ويتعلق ذلك بالحالة الطبيعية للمؤسسة الإنتاجية ومدى توافر الشروط الصحية المناسبة من تهوية وإضاءة , وتوافر نظام عمل يخفف من وطأة التعب والجهد المبذولين كالتقيد بجعل فترات الراحة تتخلل ساعات الإجهاد بين الفينة والفينة, وإيجاد وسائل ترفيهية وتهيئة الظروف لممارسة أنشطة ترويحية وهوايات خاصة بكل عامل.
وقد استخلص ( ماير) من أبحاثه في موضوعات علم النفس الصناعي أن المؤسسات التي يتضمن برنامج العمل لديها عمل أسبوعية أقل, تكون الإنتاجية فيها أعلى مستوى من تلك البلدان التي يكون فيها يوم العمل أطول وعدد الساعات الأسبوعية للعمل أكثر. وهكذا فنحن نرى اليوم أن كثيراَ من بلدان العالم أخذت في الاتجاه إلى جعل العطلة الأسبوعية يومين بدلاَ من يوم واحد أو يوما ونصف اليوم.
وإذا تفحصنا مدى الاستجابة إلى هذه الشروط في معظم المؤسسات الإنتاجية العربية فإلى أية نتيجة نصل ؟ لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن معظم هذه المؤسسات ---- إن لم نقل كلها –
لا تنطبق عليها المواصفات المذكورة آنفاَ من حيث تهيئة ظروف عمل طبيعية.أما بالنسبة لساعات العمل فإن هذه المؤسسات إذ تطبق إلى حد ما يوم عمل بثماني ساعات فإن الهدر خلالها كبير.أما بالنسبة للرواتب والأجور فإن تدنيها قد أدى إلى إكراه العامل أو الموظف على مزاولة عمل آخر إلى جانب عمله في المؤسسات الإنتاجية. مما ينتج عنه إطالة يوم العمل ليصل إلى أكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم. ناهيك عن الوقت المهدور فيقطع المسافة بين العمل والمنزل في كثير من الأحيان, وصعوبة المواصلات, وهدر زمن آخر في سعي العامل لتأمين خبز أسرته وحاجاتها الأخرى حيث تعاني أقطار عدة من مشكلة التزاحم على منافذ بيع الخبز والسلع الغذائية الأخرى.
أما فيما يتعلق بتوفير الظروف النفسية والاجتماعية الضرورية لشعور العامل بالأمن والطمأنينة فقد بينت دراسات كل من ( ليفيت) و( هوايت) أهمية وجود جو إداري ديمقراطي في بيئة العمل في رفع مستوى أداء العامل ورضاه على نفسه وعمله على العكس مما يحصل في الجو الديكتاتوري والفوضوي(27).
ويضاف إلى ما سبق ما يتعلق بعدم اطمئنان العامل على مستقبلة حيث أن استمراره في العمل مرهون برضا رؤسائه ومزاجيتهم لا يسمح له أو لا ينتج عنه أداء جيد.
ثم أن المؤسسات الإنتاجية في البلدان الأقل تقدماَ ومنها الوطن العربي تعاني من غياب الروح الديمقراطية في العمل حيث تسود عقلية
الاستحواذ والتسلط والهيمنة وغياب العلاقات الموضوعية. يتصرف مدير العمل – ينطبق ذلك على مؤسسات القطاع العام أيضاَ – على المنشأة أو المؤسسة هي ملك شخصي له, فلا يتقيد معظم المديرين بالقوانين – إن كانت من حيث طبيعتها صحيحة, إن لم تكن هي نفسها جائرة – فالقوانين هي أمزجتهم والعلاقات التي تحددها نزوات ورغبات منحطة على الأغلب . فيخضع الإنسان في مثل هذه الأجواء غير الإنسانية وتتردى القيم والمعايير السلوكية, وتحكم بالأفراد ظروف لا تساعد على تفتح شخصياتهم, مما ينعكس سلباَ على مستوى الأداء في العمل.
وقد لا تأتي بجديد عندما نتحدث عما يعانيه العمال العرب حيث يضطرون للعمل في قطر عربي غير القطر الذي ينتمون إليه. وسنعرض في هذه الجزء من نص قصصي يبين ما تعانيه العمالة العربية في بعض الأقطار العربية:
-<< أنتم لدي رقيق. لقد وقعتم على ذلك. العقد هو صك رقكم.. يا.. وتابع أبو سحيم موجهاَ كلامه إلى عمال الباتون وهو يلوح بورقة يحملها في يده.
--- أنا كفيلكم ووجودكم في (بلدي) متوقف على هذه الكفالة.
--- لكن عمولة الكفالة كبيرة يا أبو سحيم وأنت رجل تخاف الله.. خمسون بالمائة من عرقنا؟
أنتم رضيتم بذلك. والخمسون هي ثمن إقامتكم. وإلا.. وفي اليوم التالي كان الرقيب ينتر بفهد المسعود صائحاَ:
اسمع يا فهد, يا مسعود.. في الغد تكون قد رحلت من هذه البلاد. أبو سحيم سحب كفالته لك, ولم يعد لك نصيب بالبقاء في هذه البلاد. أتسمع؟(28).
هذه الفقرات القصصية لا تكشف عن الأحوال المزرية التي يعيشها العمال العرب في أقطار عربية فحسب, ولكنها تفصح أيضاَ أساليب جديدة من الاسترقاق لا ترعى حرمة لدين أو مبدأ إنساني , وتصور إلى أي حد وصلت قيمة الإنسان العربي في عصر انحطاط القيم وازدهار البترول. فالإنسان العربي يصدق عليه – ربما أكثر من غيره – ما يصف به( إريك فروم) الإنسان ( السلعة) في عصر الاستهلاك. فاستخدام العمالة واستقدامها يقومان على أساس معاملة الإنسان معاملة السلعة, بل إن الإنسان نفسه يعرض نفسه في سوق العمالة على أنه ذو قيمة تبادلية. وقد فرضت الظروف الاجتماعية والاقتصادية على الإنسان العربي سواء أكان عاملاَ يستخدم قواه العضلية أم كان مثقفاَ أم تقنياَ – أن تتدنى شخصيته إلى مستوى يصدق عليه صفة الشخصية المسواقة. فموقف الإنسان من ذاته في مثل هذه الظروف لم يعد محدداَ بالكفاءة والتأهيل وأداء العمل فحسب ,بل في أن ينجح في المباراة مع الآخرين لإحراز النجاح وقبول الجهة الطالبة للعمل به
وليس من المبالغة الاستناد إلى الأحكام والخصائص التي يعتمدها ( فروم) في وصف نمط كهذا: لو أن كسب العيش لا يتطلب الاعتماد على معلومات الإنسان وخبرته وكفاءته لكان تقدير الإنسان لذاته متناسباَ تناسباَ طردياَ مع قدراته أي قيمته الانتفاعية, ولكن ذلك ليس هو المعمول به لأن النجاح يتوقف إلى حد كبير على كيفية بيع الإنسان شخصيته وممارسته لذاته على أنها سلعة معروضة للبيع فقط. التزاحم على أبواب السفارات واستخدام وسائل الرشوة والوساطة والمحسوبية مناظر مألوفة في عواصم الأقطار المصدرة( للناس)....
في أجواء كهذه لا يصبح اهتمام الإنسان مركزاَ حول حياته وسعادته وكرامته وإنما كيف يباع ويشرى في أسواق النخاسة الجديدة. ويصبح هدف طالب العمل تغيير جلده كما تقتضي الأحوال, لكي يكون مطلوباَ في السوق. فهو لم يعد الإنسان الذي يتمسك بشخصية فلا يغيرها.. بل يتلون باستمرار وفقاَ لقاعدة: أكون كما تريدني أن أكون(1).
هذه إشارات بسيطة تهدف إلى الكشف عن بعض أسباب تدني الإنتاجية في الوطن العربي وهي أسباب تعود في الدرجة الأولى إلى نظرة للإنسان تحط من قيمته, وقد تكون صادرة عن مبدأ ينطوي على عدم الثقة بالإنسان وعلى سيادة الأنانية والنزعة التسلطية, وعلى الاعتقاد بأن المستخدمين في العمليات الإنتاجية لا تحركهم إلا وسائل الترهيب والترغيب.
الإنتاجية والإدارة :
لا يمكن بحال من الأحوال أن نحذف دور الإدارة في الإنتاج وأثرها في أداء العامل لعمله.ولعل المهتمين بهذا الشأن مأخوذون في هذا العصر بالمثال الياباني حيث أن ارتفاع مستوى إنتاج الإدارة اليابانية وكفاءتها وتميزها عن مثيلاتها حتى في الدول الغربية وفي دول الشمال الأمريكي من الأمور التي يجد فيها البعض سر ارتفاع مستوى الإنتاجية إلى حد لا يجازى. ويقول( أحد أعضاء شركة جنرال الكتريك) في كفاءة هذه الإدارة أنها تتمثل في قدرتها على تجميع بعض العناصر والمبادئ المعروفة في نظام متكامل يعطيها لوناَ متميزاَ
ويمتاز نظام الإدارة هذه في استغلاله الأمثل للموارد البشرية من خلال اعتماده على مبادئ أهمها المبدآن التاليان:
المبدأ الأول: الموارد الأساسية لأية منظومة إنتاجية هي ثروتها الأساسية وأغلى أصولها جميعاَ.
المبدأ الثاني: وحدة المصلحة بين المؤسسة والعاملين فيها.فليس العاملون مجد أدوات في العملية الإنتاجية تستغل جهودهم, بل تحرص الإدارة بوسائل عملية على إشعار الفرد بالمنفعة المتبادلة بينه وبين المؤسسة. ويؤدي ذلك إلى اتباع سياسات في الإدارة تتمثل في :
1—ضمان الوظيفة مدى الحياة. مما يشعر العامل بالأمان والاطمئنان وبالعلاقة الوثيقة بالعمل. فلا هو مهدد يوماَ من الأيام بالفصل ولا تستغني المؤسسة أو الشركة عنه. فالعمالة مدى الحياة هي إحدى الخصائص الهامة عندهم. وهكذا فالانتماء يكون على أفضل وجوهه للعمل. وهو ما يعبر عنه الكاتب الياباني ( نيشيوكانجي) بقوله:
<< إن اليابانيين حين يتعارفون لا يهم أحدهم ماذا يعمل الآخر بمقدار ما يهمه معرفة اسم الشركة التي يعمل بها >>(31)
2--- اهتمام شمولي بالموظف : يمتد من الاهتمام بحياته الخاصة والأسرية منها وذلك جراء أداء الإدارة لدورها في معرفة شخصية وثيقة للمدير بموظفيه وحل المشكلات بروح جماعية وعدم التسرع في العقاب , وتوفير فرص الإشباع الاجتماعي والنفسي للعاملين( إعانات اجتماعية, منح دراسية للأولاد , تسهيل منح القروض..)(32)
3—مشاركة جماعية وحقيقية في صنع القرار: العمال مشاركون فعليون في القرارات. والإدارة تقوم بدور ضبط عمل الإنتاجية, والأوامر التي تصدرها الشركة هي من هذه المشاركة وليست أوامر تصدرها الإدارة. ويتحرك العمال نتيجة لذلك بدوافع منهم بما يكفل الكفاءة في العمل.
4—التركيز على عمال الفريق والمسؤولية الجماعية,إذ يكافح العمال والإدارة معاَ من أجل زيادة أرباح الشركة. وهكذا فإن أهم ملامح الإنتاجية لديهم هو ما يقول عنه ( كانجي):
<< التراخي في بداية الأسبوع والتغيب عن العمل تكاد الشركات اليابانية لا تعرفهما. ويعود هذا بطبيعة الحال إلى الوعي الاجتماعي عند الموظفين الذين يعدون أنفسهم أعضاء في أسرة واحدة كبيرة>>.
5—اعتماد سياسة ذات معايير دقيقة في اختيار المديرين للقطاعات الإنتاجية , بحيث لا يجري التركيز على خصائص محددة وإنما يجري التنويع في الخصائص. فلا يؤخذ التخصص مثلاَ كمعيار لذلك. فليس من الضروري - على سبيل المثال – أن يكون مدير مؤسسة صناعية متخصصة بالأدوات الكهربائية مهندسا أو فنياَ في الكهرباء, بل قد يكون قانونياَ أو متخصصاَ بإدارة الأعمال أو مسك الدفاتر والحسابات.. لأن عمل المتخصص في مجال اختصاصه مباشرة أجدى من استهلاك جهده في عمل إداري يمكن أن يقوم به غيره.
إضافة لاتباع الإدارة أساليب في التنمية تعتمد التطوير التكنولوجي لأساليب الإنتاج ورفع كفاءة العاملين لديها.
والخلاصة: إن رفع مستوى الإنتاجية تحدد إلى حد كبير الموارد البشرية التي تتصف شخصية كل فرد فيها بأنها شخصية منتاجة تتميز بأداء متميز يؤدي إلى:
1—إنتاج كبير من حيث عدد الوحدات في الزمن المحدد. ويكون هذا الإنتاج جيداَ من حيث الكيف.
2 – غياب السلبيات من سلوكها كالتغيب عن العمل, وإساءة استخدام الآلة, والتفريط بالمواد الخام.
3 – نادراَ ما يتعرض صاحبها لإصابات العمل بعيداَ عن التذمر والشكوى
4 – تعامل جيد مع الرؤساء والزملاء وتقيد بنظم العمل وقوانينه..
ولا يتأتى للمرء أن يحوز على هذه المواصفات والخصائص إذا لم تكن الظروف مؤاتيه والحاجات الأساسية والاجتماعية والنفسية ملباة في جو من العمل تسوده علاقات إنسانية يشعر فيها العامل بإنسانيته ويطمئن على مستقبله, وتتاح له متطلبات الترويح والترفيه, وتأمين مستلزمات حياة كريمة من مسكن ملائم وتغذية مناسبة ومشاركة فعلية في كل مراحل الإنتاج.
ولكن ذلك لا يمكن أن يعطينا الصورة المناسبة لفهم آلية الإنتاجية العربية إلا من داخل صورة أوسع ومن خلال خلفية تسمح بتكوين صورة متكاملة لوضع الثقافة العربية. فما هي اتجاهات الثقافة العربية؟ وما هي الآفاق المتاحة؟
وبعد ذلك فأين ه المتطلبات التي يتهيأ تأسيساَ عليها إتاحة فرص تفتح الشخصية العربية ليصبح تعلم الإبداع جزءاَ من تربيتها؟.
الثقافة العربية( الآفاق والاتجاهات)
لا يبعث الواقع العربي الراهن على التفاؤل,فلا جبهته الداخلية متماسكة ولا يوجد في الأفق ما يوحي بأن هذه الجبهة قادرة-من خلال الصورة المطروحة الآن للأنظمة العربية- على الخروج من وضعها المتردي. كما أن الظروف الخارجية لا تمنح الفرصة الكافية للخروج من شرنقة التبعية والتخلف والتصارع والتخبط والتكالب على فتات موائد ما يسمى بدول المركز التي تشكل أحد طرفي المعادلة على حد تعبير بعض الكتاب والطرف الآخر هو دول الأطراف أي تلك الدول المسماة بالدول النامية وإضافة لما ذكر لعل أصعب ما تواجهه الأمة العربية في معركتها لإنشاء مشروعها الثقافي يتمثل في ذلك الصراع بين دعاة التمسك بالبنى التقليدية على المستوى الثقافي التي لا تنتج إلا التخلف , ودعاة اللحاق بالمشروع الغربي والاستسلام له والذي لا ينتج سوى التبعية. فكأن المشروع الثقافي العربي في كلتا الحالتين لا ينتج سوى تخلفه أو تبعيته. وفيما يلي أهم سمات الحالة الثقافية العربية الراهنة:
1-تخلف النظم التعليمية وقلقها: فسواء نظرنا إلى هذه النظم من جهة المحتوى أم من جهة الطرائق والأساليب والوسائل وأدوات التقويم فلا نكاد نلمح في الصورة ما يبعث التفاؤل في النفس . ولعل أوضح ما تشير إليه هذه الحالة هو غياب الفلسفة التربوية العربية الموحدة, ففي الوطن العربي فلسفات تربوية لا فلسفة واحدة حتى داخل القطر الواحد. داخل النظام التربوي الواحد تداخل لفلسفات متباينة.
أما من حيث الأسس التي يقوم عليها التعليم والطرائق المتبعة فإنها لا توحي بخروج النظم التربوية العربية عن نمط التلقين وهو النمط السائد في الحياة العربية حتى خارج نطاق التعليم.وليس غريباً على أحد الممارسات التي تتبعها وسائل الإعلام المختلفة في سائر الدول العربية من محاولة زج العقول كافة في بوتقة النظام السائد وما يتبع ذلك من تعطيل للفكر واستهانة بالعقل والعواطف وأبسط الحقوق القانونية والقيم الأخلاقية .وليس ذلك فحسب فالتلقين هو النمط السائد حتى داخل الأسرة وداخل المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية الإنتاجية منها وغير الإنتاجية.
أما التعاون بين المؤسسات التعليمية العربية فيكاد يكون معدوماً رغماً عن ظهور بعض الاتفاقيات الثقافية والتربوية بين بعض الأقطار العربية.
كما أن الصلات داخل القطر الواحد تكاد تكون مقطوعة تماماً بين المؤسسات التثقيفية كل في واديه يعمل.. فإذ يفترض التكامل بين جهود المعلمين والإعلاميين مثلاً.. يكاد هذا الأمر يكون لا وجود له بل أن أحدها يمحو ما يفعله الآخر أو يشوشه وإلا فأين دور الخبراء والفنيين التربويين في عمل المؤسسات الإعلامية؟
2-تغييب دور الفرد وفاعليته وطمس القدرات الفردية والجماعية: رغم الدعاية الرعناء وشآبيب الإعلان التي تطمرها المنظمات الرسمية وأجهزة التسلط عن العناية بالمواطن وأخذ دوره في معركة البناء والتحرير وما أشبه من شعارات , فإن المواطن غائب تماماً لأن الأنظمة القهرية لم تستطع إلا أن تطمس شخصيته وهو مصاب بالإحباط لأن سياسة إطلاق الشعارات بنبرات عالية لم تفعل شيئاً سوى خذلان هذا المواطن الذي دفع دفعاً للهرب من طاحونة الكلام وتعمية المفاهيم ليرتد نحو القيم العتيقة المخالفة لروح العصر والتي لم تعد مناسبة لطبيعة التحولات التي توصل لها العالم ,ولكنه يجد فيها مأوى أكثر طمأنينة له لأن المناخ السائد صارت أهم أسباب التكيف معه أساليب الرياء والمداهنة والخداع.فإذ لا يجد المرء أمام كل الهزائم التي مني بها والتي تتالى وفق وتيرة متسارعة سوى تسويغات وتسميات (تخرج الفكر من عقاله) . لقد حشي قاموسنا الثقافي بمفاهيم لا يقبل تعريفاتها ولا تفسيراتها . إنها مفاهيم (النصر ) التي تسوغ الهزائم ..وحيث لا يجد المواطن في كل ما وعد به من أمن وفي كل ما صور له على أنه سبيل النصر والتقدم ما يشعره بالاطمئنان والأمان فإنه ارتد باحثاً عنهما في كنف القبيلة أو الطائفة,وارتد الناس إلى تداول الخرافات وكأنها البديل لكل ما وعدوا به من إنجاز العلم والتقنية وشعارات التقدم والحياة الأفضل…
عاد الناس يحنون إلى الثقافات الغيبية المغرقة في مجافاتها للعقل والمنطق. فالتحول عن الموضوعية والتفكير العلمي والمنطق وغياب الفكر النقدي لم يكن سوى بعض نتاجات الأزمة في الثقافة العربية التي تلعب خيبة الأمل من أجهزة التثقيف العربية دوراً هاماً في تشكيلها.. وليس التحول إلى الغيبيات مجرد نكوص أو ردة فعل طبيعية, بل إن الأنظمة المفلسة تروج لمثل هذه الثقافة في عملية منظمة للإجهاز على عوامل القوة في حركة المجتمع التاريخية بتشجيع كل ما هو معاد للعقل, وتسهم في ترويج الإشاعات والخزعبلات لتستفيق الجوانب المختلفة من الثقافة حيث تصبح ظواهر السحر والشعوذة والإيمان بالغيبيات وانتظار المفاجآت للتخلص من الأزمات هي أهم ما يبرز من ثقافة المجتمع, وهكذا تستفيق مع هذه الردة المتسارعة كل العلل الاجتماعية من عشائرية ومذهبية ويرتد الناس من حالة الولاء للأمة إلى الولاء للطائفة أو العشيرة.
"الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد-كما يقول جمال الدين الأفغاني في العروة الوثقى- هذه الأمة التي لا تستشار في مصالحها , ولا أثر إرادتها في منافعها العمومية , وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون ومشيئته نظام, بحكم ما يشاء ويفعل ما يريد تلك أمة لا تثبت على حال واحد, ولا ينضبط لها سير فيعتورها الشقاء .. ويتناولها العزل والذل"(33)