رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
عندما يهز الموت غرباله
إلى جورج حدّاد..
ايها الفلاّح المزنّر بشعرك،أيها المشغول بعروبتك، أيها اللاهث في بيادر الشعر والصحافة،يا قارىء كف العروبة من الحرب إلى الحرب ومن الهزيمة الى الهزيمة ومن الحلم الى الكابوس..كيف رحلت سريعاً هكذا، وفي عينيك بعض من ماء السلط..وعلى أصابعك بعض من طبشور اربد.. كيف تتركنا قبل أن تروي لنا كرمة النضال من مقلتيك الطيبتين..أو تعلمنا أبجدية المقاومة بإصبعيك النحيلين..
ايها الفتى السبعيني، دلّني كيف كنت تختصر المقال الطويل الى جملة، والفقرة الى كلمة، والسطر الى حرف، والفكرة الى حكمة؟..كيف كنت تبذر الكلام على أثلام الورق، فتنبت الكلمة سنبلة بمائة معنى؟..أيها الفتى السبعيني الراشح عرقاً وحبراً وعروبة ..دلني كيف اختصرت السماء الى قطرة ماء واختصرت الأرض الى حبة قمح..واختصرت الأحداث كل الأحداث بهزّة غربال ؟؟..آه يا هزّة الغربال!!!..
هزة غربال والتوقيع جورج حداد..متلازمة اعتدت على قراءتها مذ كنت صبياً أشتري الجريدة من مصروفي اليومي...كنت أتهجّى وأفهم وأحياناً أتهجّى ولا افهم...لكني كنت على يقين أن من يهزّ الغربال في صحافتنا جورج حداد وحده...
دلني ايها المعلم والرفيق والزميل، كيف سأطالع الدستور من غير هذا العنوان وذاك التوقيع،كيف لي أن أطالع زاويتك ولا اسمع احتكاك الحروف في غربالك..و لا اشتمّ رائحة الأرض والحصاد والعمر من سطورك البسيطة العميقة.. كبسمة أم تبخرّ من فمها الكلام،أيها الرائع الكبير العتيق المعتّق.. قلمك مسلّة وخطك الجميل الثائر خيط لا ينقطع ابدا، فأخط لنا حكمة قبل الرحيل او أخط لنا رحيلاً منصفاً على فم الحكمة..واترك لنا كفاف يومنا من نضال أصيل لا يخترقه ضعف أو يقضمه استسلام ...
ايها السلطي اليافع، والإربدي الحكيم، والعماني الجميل، والعربي الخالد، كيف لي بعد هذا الرحيل الطويل أن أتفرج في زاويتك الفارغة المقعّرة، مثل محارة صادر الصياد أو الموت لؤلؤها....
ايها البارود المغادر.. جورج حدّاد...عندما يهز الموت غرباله..ونسقط جميعاً انا وأنت،هو وهي من ثقوب الحياة تاركين أعمدتنا وزوايانا بحبرها وورقها لمن سوانا .. فإننا نغفو على عباءة السماء بارتياح .. آملين ومطمئنين أن يبقى كلامنا قمح الخلود ..ينبت ويحصد ينبت ويحصد..ويطعم قلوب الشعوب من المتعبين والحرّاثين والمظلومين والباحثين عن وطن،والقابضين على وطن ايضاَ..
***.
جورج حداد...سيبقى غربالك متكئاً على جدار القلب..
ahmedalzoubi@hotmail.com
احمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
رقص وانتحار وذيل حائر
..أنف مثالي بعد ان تم تقييفه..عينان مكحلتان.. شفتان دائمتا الحمرة، شعر أسود ناعم،وجه مطبوق مثل ابريق الوضوء..وقوام محسوب بــالغرام..انه مايكل جاكسون... لا اعرف لماذا كلما تطّلعت في وجه الفقيد..رأيت وجه أمريكا الحقيقي؟..فعند أخذ كل تقسيم من تقسيمات وجهه على حده نشاهد قمّة المثالية..لكن عند اجتماعها جميعاً داخل محيط الوجه تصبح قمّة البشاعة والتنافر.
لا زال تتوالى التقارير، والمقالات، والتحليلات،والأخبار من كل أصقاع الأرض حول وفاة ملك البوب..وطبعاً العرب دائماً أصحاب الأوّلى في المشاعر واللطم والحزن وكسر المألوف لا سيما ان كان المتوفّىزلمة البوب الأول..على اعتبار أنهم مفطومون على البوب.
منتديات عربية من كل الأقطار بلا استثناء، ومجموعات على الفيس بوك..فتحت أبوابها ولينكاتهامنذ أيام..من اجل تلقي العزاء والأخذ بالخاطر من قبل المعزّين..وبعض المواقع استأجرت صيواناً اليكترونياً على صفحتها الرئيسية وكراسي نجل..وبدأت بسكب الاكسبريسو للزوار والمتصفحين ..بينما شريط للمرحوم يصدح بأغنيةلا تمشي بعيدا.
كما رصد موقع يو تيوب رقصة لشباب خليجيين، أدوها على انغام الفقيد حزناً ووفاء له..بعد تلقيهم النبأ الجلل في وفاة شيخ البوب، كما شكل موت جاكسون صدمة للشباب أقاموا كرمال عيونه حفلة خاصة انشد خلالها العديد من محبيه..أما في تونس فقد اختلت فتاة تونسية بنفسها وأغلقت عليها باب غرفتها وظلّت تسمع اغاني ابو باريس منذ الصباح وحتى المساء ثم طرقعت كمية كبيرة من الأدوية أدت الى وفاتها على الفور..والكثير الكثير من قصص الهوس والفجيعة.
***
وا حسرتاه على بعض شباب العرب ..فهم بين الثقافات مثل ذيل البقرة لا هم مع الجلد مسلوخ ولا هم مع اللحم مطبوخ..
احمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
رداء الشوق
مثل رائحة الدرّاق يعطّر المغتربون ليالي صيفنا ..ومثل رقصة غصن ياسمين يحرّكون أيامنا المسكونة في الرتابة..
كلما شاهدت سيارة ميتسوبيشي ستيشن او مرسيدس طويلة تحمل نمرة خليجية وعليها شبك للحقائب،وغطاء جبنة ابو الولد تحت الزجاج الخلفي..وعلبة عصير راني فارغة وملقاة بين الكراسي.. وكلما شاهدت الرمال الشقيقة لا تزال على عجلاتها ورائحة السفر معتّقة على مقاعدها..والمحرّك الساخن يبرد قليلاً قليلاً في فيّء الدار ..حمدت الله وشكرته على سلامة الغائبين كل الغائبين..
وكلما شاهدت لمبة كبيرة في برندة أو حوش، أو معلّقة في معرّش دالية..أتخيّل ما يدور هناك من حديث وسهر..
أقول في نفسي: لا بد ان المغترب في هذه الأثناء يرتدي دشداشة رخيمة.. ويحمل قلما مذهّبا يظهر رأسه من جيبه المنتفخ بالأوراق عديمة الفائدة، أظنه يتكّىء على وسادتين ، بالقرب من الحجي او الحجّة او كليهما ..يتحدّث عن مواضيع كثيرة وغير مترابطة..عن ارتفاع الإيجارات هناك..وعن قلق التفنيشات وعن طراوة الهواء هنا ..ثم ينتقل سائلاً الى أفضل عروض شركات الخلوي ليختار خطّاً محليّاً يستخدمه طيلة فترة الاجازة..بينما يتطعوج احد أولاده الصغار خوفاً من الذهاب الى المرحاض البعيد الواقع بين الشجر المسكون بالعتمة..سائلاً أمه بدلع مقبول .. عن مكان النونو ..
ابريق الشاي ايضاً يدلي بحديث شهي ينتقل من شفته الوحيدة الى شفاه الموجودين..ينقذ الابريق الابن المغترب من احراجات تطاله بالعشم ..كأن يسأله احد ابناء العمومه عن فرصة ابنه المتخرّج حديثاً للعمل هناك.. فيشفط المغترب رشفة شاي..ويمتدح شاي الأردن..وماء الأردن..وهواء الأردن..وفرص العمل في الأردن...ويضيّع على الفتى المتربّص بفرصة الوعد..او التلميح بأخذ السي في حتى..طالباً من أخته الصغرى ان تسكب له كوباً آخر من الشاي.. صبي يا ختي صبّي..شاياتكو زاتشيات ...
وفي آخر التعليلة..لا بد ان تصغر أهمية المواضيع المطروحة شيئاً فشيئاً..فيتم الحديث عن الكرش ..وعن فلان نصحان وفلان ضعفان ..وتنتهي التعليلة ب فلان ما أجاش يسلّم عليّ ..
أما الأولاد الذين يلبسون بيجامات مرسوم عليها بات مان و المفتّش كونان وبأيديهم ساعات بتاضي يغفون تحت الدالية على حديث الغربة وأخبار الناس هنا، وعلى تثاؤب الجدّ المفاجىء الذي يطلقه كلما اقتربت الساعة من منتصف الليل..
ينام الأطفال تماما وهم ممدّدون في سطور متوازية مثل حبّات ورق العنب ...عندئذٍ تتدخل الجدة بعاطفتها المضاعفة يا ميمتي...ناموا الأولاد...غطيهم يا عمّه لا يبردوا ...
***
ايها المغتربون العائدون المتعبون من الوجد والغربة،خذوا غفوة على ركبة الوطن.. و هذا جفني اهديه لكم..رداء شوق..فناموا في عيوني..
ahmedalzoubi@hotmail.com
احمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
(إشِّر.. بَشِّر)
''بلاقيك بالحلة''..تحذير شديد اللهجة كنا نتلقاه عندما نتلاسن مع ابناء الصف...فحلّة المدرسة..أفضل توقيت لتصفية الحسابات المبيتة..
ذات طفولة..كنّا نتورّط مرغمين في ''هوشات'' غير محسوبة لم نجد مفرّاً من خوضها، وأحياناً كثيرة كان يقوم أحد ''العضلنجية'' بمحاولة تمرين روتينية لعضلاته على حساب وجوهنا''المصفوقة'' ، فــكان ''يجهد بلانا'' ويجرّنا الى شجار محسوم النتيجة سلفاً..
الخبرة وحدها والهزائم المتكررة علمتنا انه لا بد من الاحتفاظ بمصطلحات المهادنة او فض النزاع سلمياً دون إشعار الآخر بضعفنا أو خوفنا أو عدم قدرتنا على ''المباطحة''..
''إشّر بشّر'' مصطلح تمهيدي لفض النزاع ، على شكل تحذير كان يطلقه الخصمان وهما في وضعية اشتباك ومسك من ''القبّة'' قبل اطلاق أي حركة فعلية للهوش.. وأصل هذا التحذير ''إشّر بشّر'' هو :دشّر بدشّر..بمعنى آخر ان تتركني اتركَّ!!..ثم يتبادل الخصمان هذه العبارة بالتناوب لحسم من الذي يترك ''رقبة الآخر'' أولاً..لمدّة قد تزيد او تنقص عن الساعة بقليل..
''اشّر بشّر''.. ''لا أنت إشر..أنا بشّر''..''بقلّك إشر بشّر''..''لأ انت إشّر أول''..حتى يلين أضعفهما ويترك الآخر وهو في الواقع قد أفلت نفسه من هزيمة نكراء..بالنسبة لي كنت ''بدشّر'' من أول تحذير جاد..وأجنح للسلم فوراً..لأني بكل تواضع أقولها '' مش شغل هوش''..
النواب والصحافة..بقوا أسابيع طويلة على وضعية ''إشّر بشّر''..ولم يقبل ان يتنازل أي منهم ''بترك الآخر''،على كل الأحوال تمت المصالحة وتم ترتيب ياقات القمصان وقطب الأزرار المقطّعة مؤقتاً...وهذا لا يعني أنهما لن يلتقيا في'' الحلّة'' بوقت لاحق، فكل شيء جائز..
لا يهمني من هذه المصالحة، توقيتها او مكانها، او الساعين فيها، او بنودها..يهمني شيء واحد فقط (طبعاً اذا نشر هذا المقال)...أن تحفظ المصالحة حقنا في رفض الخطأ،ومقاومة العوج، والاشارة الى الخلل اينما وجد..وان نبقى نحن كما نحن، لا نجامل ولا نهادن، ولا نداهن، وان :''نقول للأعور..اعور بعينه''.
ahmedalzoubi@hotmail.com
احمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
مولود مهندس ديمقراطيا
ذكرت وكالة عمون الإخبارية، ان طفلة - في احدى مستشفيات الجنوب- قد ولدت من غير لسان قبل يومين، وقال بعض الأطباء المختصين ان هذه الحالة تعد من الحالات نادرة الحدوث، نتجت عن تشوه خلقي للجنين أثناء الحمل، وتوقع أحد الجراحين ان تجرى لهذه الطفلة بعض العمليات الجراحية في محاولة لمساعدتها على مضغ الطعام مستقبلاً..
أنا متعاطف جدّاً مع أسرة هذه الطفلة وأتمنى ان تتلقى الجراحة اللازمة وتمارس حياتها بطبيعية وأقصد بكلمة طبيعية: (كما يمارس مئات الملايين من العرب حياتهم)، الأطباء وحدهم من يستطيع تطمين الوالدين على حالة وصحة الطفلة في المستقبل، أما نحن ككتاب ساخرين ومراقبين..فنستطيع ان نطمئنهم على مستقبل المولودة الاجتماعي والسياسي...ففي هذه الأيام الخماسينية من فصل الديمقراطيات العربية... من يملك لساناً او لا يملكه في الحالتين سيّان..هناك 300 مليون عربي لديهم عضلة تلوك الطعام لكنّها لا تلوك ''التعبير'' أبدا..لذا أنا ؟ من زاويتي- لا اعتبر الطفلة تعاني من أي تشوهٍ خلقي..بقدر ما أعتبرها تعاني من تشوه ديمقراطي.
.. وبما ان بعض الدراسات تشير إلى أن أقواماً وسلالات بائدة كانوا يتمتعون بمواصفات خاصة، من طول للقامة وقوة فريدة للبنية.. كي يتغلبوا على الجغرافيا ويتكيفوا مع البيئة المحيطة أو الحياة البدائية، ثم تقلّصوا مع تقدم الحضارة، ووصلوا إلى حجمنا الحالي..فإن ما سبق قد ينبئنا أن الأجيال العربية القادمة قد تولد مهندسة ديمقراطيا وسياسيا..بلا ألسنة.. وأحياناً بلا عيون أو آذان أو أيادٍ.. وبالتالي سيصبح المواطن العربي في وطنه عبارة عن: ''بطّيخة تمشي على الأرض''..
ahmedalzoubi@hotmail.com
احمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
الوجيه
بعد ان تُذكر تفاصيل الدعوة ، من محاور وفقرات وكلمات وشرح موجز ، يذكر في اسفل بطاقة الدعوة ، بخط غامق الساعة الثانية ظهراً : (تناول الغداء) في قاعة كذا..
لم يعد يخلو مؤتمر محلي، أو ندوة اعتيادية ، أو لقاء عابر، أو ورشة عمل من صلب العمل، أو جلسة عصف ذهني، أو لقاء تشاوري، أو استعراض سريع لبعض المشاريع ،أو ملتقى دوري ، إلا وختمت الفعالية بمنسف ...حتى صار المنسف هو الراعي الحقيقي لإنجاح أي فعالية وتسليط الضوء عليها إعلاميا..وبهذا التقليد أرست مؤسساتنا سابقة تاريخية بين مؤسسات العالم حيث جعلت للفعالية راعيين..راعٍ رسمي يفتتح النشاط، وراعٍ دسمي (المنسف) يختتم النشاط..
** اذا قام وزير أو مسؤول بزيارة مدتّها ساعة واحدة فقط الى أي منطقة تقع في نطاق مسؤوليته ، فوراً تذبح له الشلايا وتسيل المليحية أوتوماتيكيا من الأكواع، وتجلى السدور وتنجلي الصدور ..ليس من باب الكرم فقط ، بل رغبة في تطبيق المثل القابع في الذهن الاجتماعي اطعم الثُّم تستحي العين.. يطلع القرار ..
** حتى إذا أراد أحدهم أن يزبّط مسؤولاً ما.. ليمرر له مصلحة هو بحاجتها، أو أراد أن يتقرّب من احد الكبار ليبني جسراً للمعرفة وتبادل المصالح المستقبلية، أو أراد أن يلمّع نفسه بطريقه يمكن ان تهضم اجتماعياً ،فإن اقصر طريق الى ذلك هو : سدر المنسف ..اذا لم تصدقوني فقط تابعوا الصحف اليومية والمواقع الاليكترونية واحصوا كم خبرا يبدأ بأولم فلان الفلاني لفلان وفلان وفلان ....
** بقي أن أقول أن سدر المنسف تطوّر في مهنته حسب الحاجة الأردنية ،فقفز من راع رسمي ، الى معزّب كريم ، إلى متنفّذ واصل ، حتى أصبح وجيهاً اجتماعياً.. لاحظوا جميع الصلحات السياسية و الإعلامية و العشائرية..اذا لم يوحّد المنسف كلمة و لقمة المتصالحين، واذا لم تتم عملية التشريب المتبادل و تمرير الدرابي العرضية و فتّ لي تا أفتّ لك .. فإن الصلحة تبقى هشّة قابلة للانحلال..
** الى متى سيبقى المنسف في أذهاننا:مكمّم الأفواه، ومُخجل العيون، و مزبّط المعصلجين ، وموصل الطامحين، ومؤلف القلوب..الا يمكن للأمور ان تستقيم بالحق وحده..
أيها المنسف الرفيق: عذراً ،فقد بتّ اشتم منك رائحة النفاق و الطبطبة ..
ahmedalzoubi@hotmail.com
أحمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
عندما يصبح الفرح (خاوة)
..ما زلنا نفرح لمجرّد مشاهدة زفّة، أو سماع زغرودة ،أو تسلل المجوز الى آذاننا، وما زالت تراودني نفسي أن أشارك أطفالا دون العاشرة، طموحهم الأعلى أن يستقلّوا ''بكم ديانا'' أو ''راس تريلا'' وهم فرحون..
منذ الطفولة ..وفي يوم الجمعة تحديداً..أحتفظ بذات الحماس / بمجرّد سماعي ''لزوامير متواصلة '' كفيلة أن تجعلني أترك ما بين يدي وأركض حتى بوابة الدار لأشاهد موكب العرسان وهو يمر من الشارع الرئيس ،وأصرّ على الا أغلق بابي حتى تمر آخر سيارة ''فولكس فاجن''قديمة محشوة بسيدات بدينات تعود - على الأرجح - لزوج خالة العروس..
كان الفرح تلقائيا، عفوياً، ينثر البهجة كلما مر بحاسّة من حواسنا الاجتماعية أو دخل زقّة من زقاق قريتنا..الآن صار الفرح ''كيديّاً''، يتم مع سبق الاصرار والتقصّد، هدفه أن يشيع الازعاج والغم و''المشابهة'' و''المناحرة'' و''المجاكرة'' في كل زاوية يلجها..
أحدهم استطاع أن يغلق شارع دولي ، ونصب صيوناً عملاقاً في منتصفه ، وزرع البيارق على أطرافه، بينما مكبرات الصوت ظلت تبث أغاني وطنية حديثة كنوع من انواع التبرير لتصرفه ...غير آبه بما احدثه من فوضى بالمرور، أو قطع للطريق، أو تضييق على الناس..بمناسبة زواج ابنه ''ابو شدوق''..هذا العرس تم تحت شعار مبطّن: اللي مش عاجبه يطخ راسه بالحيط..
وآخر امتدت سهرته الى ما بعد الواحدة من منتصف الليل، ومطربه الشعبي يغني بصوت أشبه ''بالجعير'' اغنيته اليتيمة ''والله لاطلع على راس الجبل''..يا اخي ما تطلع على التقاعد ولا على الهملايا..وأنا مالي..أنا أريد ان أنام مثلي مثل أي كائن حي..
ثم يجبرني ثالث أن أستمع بإنصات وخشوع واهتمام الى آخر عبوة ألعاب نارية يطلقها حسب رغبته ومزاجه و''فضاويته'' وطولة روحه ..وما عليك عزيزي ''المنزعج'' سوى أن تحصي عدد العبوات وتضرب الناتج ب20 ديناراً..لتعرف كم انفق هذا الجار بمناسبته العظيمة..التي سيشكو الفقر بعد انتهائها فوراً..
''ويا ويليك ويا سواد ليلك'' اذا صادفتك فاردة نهارية، وانت بطريقك الى طوارىء، او الى دعوة، او الى بيتك..وحاولت التجاوز عن اليسار..فجأة يتبرّع أقرباء العريس وخِلانه بمنعك بالتي هي أسوأ ..فيتم ''تعريض الطريق''..فتفتح الأبواب الأربعة وتتباطأ سيارات المقدمة ويلزمونك بالمشي معهم لتجميع أكبر عدد ممكن من السيارات الصديقة و''مرارة الطريق'' في الفاردة..وعند اقرب مفترق طرق ما عليك سوى استلام باقة من الشتائم ''الفرايحية'' وحركات الأصابع التقليدية..
***
حتى الفرح ،خلاصة المحبة والتسامح والبهجة ، قلبناه ''خاوة''..لم يبق شيء يستحق الابتسام..
***
غطيني يا كرمة العلي وشغلي المروحة ما فيش فايدة..
ahmedalzoubi@hotmail.com
أحمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي
مهاهاة و«دي جي»
يا الله كم أنزعج عندما أقرأ على بطاقة عرس :(...) وذلك من الساعة السابعة الى التاسعة مساء في صالة كذا..
**
الى اللحظة لا أستطيع أن أستوعب أن الفرح يحدد بالساعة والدقيقة...بحيث قبل السابعة بدقيقة ممنوع علي وعلى آل العريس أن نفرح، كما أنه بعد التاسعة ممنوع علينا أيضا..
أنا أكره نفسي عند مشاركتي لأحدهم في صالة أفراح، في الغالب يقف بعض المنظمين في باب القاعة، يتفحصون الوجوه، ويرشدون التائهين، ويوقفون المتحفزين للفرح، تماما كما يقف المضيفون على باب الطائرة..ولولا الخجل لطلبوا منك البوردنج قبل دخولك الصالة..تختار طاولة يشاركك عليها أشخاص آخرون في الغالب لا تعرفهم وفي أفضل الأحوال بالكاد تتذكر أسماء عائلاتهم، وكثيرا ما تنقضي الساعتين وانت تسأل نفسك وين شايفه ؟..
في صالة الرجال، ركود وملل و مجاحرة تطلق عشوائيا بين الجالسين، الوضع يشبه الى حد كبير الاستماع الى محاضرة في التنمية السياسية أو ندوة عن قانون المالكين والمستأجرين..هدوء مقيت، ابتسامات مجففة يطلقها أهل العريس للحاضرين..ومجاملات مستعملة ترمى في وجوه المعازيم، وخفة دم مفتعلة يقوم بها شقيق العريس الأعزب..كلام ودخان وسؤال عن التواليت في غياب حقيقي للفرح، تفتفد: لصوت الدبكة، لانسياب المليحية من جهة الأكواع، لصوت تلحيس الأصابع، لطعجات دقيق الشبيبية ، وحرد عازف المجوز، وسرقة وتقطيع التينة من الحاكورة، واختفاء فردة حفاية ابن انتصار، ولهاية بنت خولة، وتهريب رأس مطبوخ الى أحد أولاد كرمة العلي المناوبين في المعسكر، وتعليق الشرشف فوق طاولة العروسين..وصوت خالة العريس المبحوح، ووجه ام العريس المحمر التي تمثل الكوردنيتور بالعرس، وعمة العريس التي تربط اشاربا موردأ على خصرها لضمان جودة الانتاجية..
نفتقد كل شيء، الأب الذي يتلقى قبلة صادقة من العريس على يده، وتهاني الجيران...وصوت جلي الطناجر ، ورائحة الكراعين المرمية خلف سياج الدار..
في الصالة، تجلس غريبا على طاولة يشاركك فيها أربعة اشخاص يتكلمون عن مصاري البورصة احيانا، وعن الحكومة أحيانا اخرى، وعن تخبيص ابو مصعب، وعن فوائد البنك، والمتسوبيشي لانسر، وعن الفالج ...
يجود عليك عامل الصالة، بقطعة جاتو جافرة تشبه الاسفنج، وكأس كولا ساخن..تأكل وتشرب على عجل..ترن على أم العيال فلا تجيبك..تخرج بمنتهى الضجر كما يخرج حضور الأمسيات الأدبية...
***
في الخارج، تفرح عندما تسمع زغرودة ، ثم تحبط عندما تعرف انها كبسة زر على الأورغ ، و المهاهاة مقطع مسجل ع الدي جي ..
رد: المقاله اليوميه للكاتب احمد حسن الزعبي