تمتاز معظم بيوتنا بوجود غرفة طويلة عريضة تتربع في وسطها طاولة أم 12 كرسي كأنها عروس عالمصمد وتدعى "غرفة السفرة" ومن أهم مميزات تلك الغرفة أنها لا تستخدم إلا لتمسيح الغبرة أو تغيير الشراشف بين الفينة و الأخرى ، وقد لا يعود السبب في هجر غرفة السفرة إلى قلة العزائم والولائم لاسمح الله، فنحن "شعب عزييم" بطبيعة الحال ولكن نوعية عزائمنا تتنافى مع أخلاقيات تلك الغرفة، فمثلاً الجدة "ركبها بوجعوها" وما إلها على قعدة الكرسي والعم مش غريب والخال عنده ولاد كثير وبحبوا يوكلوا عالجريدة، كما أن المنطق الحسابي لايسمح لعزيمة الولايا الرمضانية بالإنحسار في غرفة السفرة لأنها تعتبر من أكثر العزايم تطلباً "للوسع والبراح"
واتسأل دائماً فيما نفكر وما الذي يخطر ببالنا عندما نقوم بإحتجاز تلك المساحة لغرفة السفرة ولماذا نوليها كل هذا الإهتمام إذا كنا نفضل مشاطرة أحبتنا في عاداتنا البسيطة ولا داعي لوجود متر من الخشب بين صحني وصحن أخي وبين رغيفي ويد أمي، ولا أخفيكم سراً أنني بعد البحث والتمحيص وإجراء الإستطلاعات الميدانية والإحصائيات اللازمة اكتشفت اكتشافاً هاماً وخطيراً وهو أن غرفة السفرة يتم تصميمها خصيصاً "للجكر" وتفريق الأيدي والأرغفة.
فعلى سبيل المثال يتجلى إستخدام غرفة السفرة رسمياً في "عزيمة النسايب الأولى" ومع الكثير من التملق المتبادل والسؤال عن سر وصفة "اللبن الرايب" تتزين الطاولة بتشكيلة من السلطات الفاخرة وأنواع المخللات المختلفة والأطقم الصيني ناهيك عن مشروبات "السوفت درينك"، علماً بأن الأسرة في الأيام العادية (كل واحد صحنه شكل ويمكنه تناول حبة البندورة "فغم" كبديل عن السلطة والماء هو المشروب الرسمي ويتوفر فقط في حال غص أحدهم أو تشردق)
وفي مناسبة أخرى يتم إطلاق العنان لغرفتنا الموقرة وتحديداً عند زيارة بنت عم رب الأسرة "إلي كانت خطيبته بالزمنات" قبل ما تتفركش السولافة، ورغم مرور الأعوام وتكون جيش من الأطفال في العائلتين إلا أن أم العيال لا تستطيع نسيان الموال القديم و تقرر إظهار عدايلها لتقنع بنت عمه للمحروس إنها "كتييييير أكابر" وما لديها أفضل مما كانت ستقدمه الخطيبة السابقة وبتصير تزووم زي الغسالة الفل أتوماتيك وما بتخلي فن غير بتعمله (خسة على شكل تاج، فاين زهري معطر، لازنيا بالباشميل مع سلطة السوشي) إضافة إلى تبادل غير معلن للجحرات بين الزلم والنسوان كلاً على حدة
وحسب آخر الإحصائيات تتألق غرفة السفرة في حفلات أعياد الميلاد حيث أنه من غير المقبول في أعرافنا السائدة أن تقوم السلفة (مرت أخو الزوج) بالإحتفال بعيد ميلاد بتنها خوخة الرابع وأن لاتقوم العائلة بالرد على هذا "العيد ميلاد الغاشم" بآخر أشنع منه احتفالاً بعام بنتهم بطيخة الألف عشر والذي عادة مايكون مصحوباً بمظاهر الكورنيش والبلالين وأطباق الجيلي "الفارط" والأكل المدعوس على السجادة وكوليكشن من الأغاني البائسة
وفي الحقيقة فإن هناك العديد من المناسبات التي يتم فيها إستغلال مواهب تلك الغرفة للإغاظة و الاستفزاز، واللافت في هذا الموضوع أن قلوبنا هي الأخرى صارت مثل بيوتنا فيها غرف كبيرة يكسوها الغبار بانتظار زائر غير مرحب به وتضيق ذرعاً بأحبتنا المحشورين في زواياها بشكل دائم
رحمة منذر مريان




.gif)
رد مع اقتباس
.gif)




مواقع النشر (المفضلة)