أعمارنا وأعمالنا
سامي محمود طهإن عجلات العصر الذي نعيش سنينه تبدو مبهرة في تسارعها, تدور كأنما هي في سباق تحدّ مع مانخطط للقيام به, سباق يدعونا إلى أسئلة ملحّة: أترانا منحنا أو سنمنح سنين أعمارنا ماتستحق من مقومات العطاء والبقاء ؟ هل فعلنا أو سنفعل ماعلينا لكي لايكون وجودنا في هذه الدنيا قبض ريح ؟
منوعات
الثلاثاء: 1-3-2011
يوم جديد, ورقة أخرى تسقط من روزنامة العمر. إنّه المسار المنطقي للزمن, ماينجم عنه مسار طبيعي لشعورنا بأن أعمارنا تهرب, فإلى أين تمضي ونمضي ؟
تتفاوت القناعات في هذا الشأن بين شخص وآخر, فما يمارسه أكثرنا لايتعدى كونه أعمالاً لاقيمة لها في حسابات وموازين الزمن, ويرى في مايفعل إنجازاً خالداً, ولكن وكما أن لكل مرحلة من مراحل العمر جمالها, فلكل مرحلة حساباتها أيضاً, فما يبدو تفوقاً في سني الشباب قد يغدو غير ذي أهمية في مراحل تالية, حتى التفكير بالوقت والإحساس به, فإنه يختلف بين مرحلة عمرية وأخرى , إذ نجد شخصاً يرغب في عبور بوابات السنين وصولاً إلى المرحلة اللاحقة, في الوقت الذي يتمنى شخصٌ آخر أن يتوقف الزمن عند فاصلٍ محدد, وثالث يرجو أن تعود به الأيام إلى ماضٍ عاش فيه سعادة عبرت كالحلم.
مايجب علينا التمسك به هو مايمدّ بساطه على مساحات الخلود, ولاأقصد هنا خلود الأعمار, فأنا أعلم يقيناً بأن هذا من ضروب المحال, وهو ماثبتته الشرائع والديانات والعلوم, مع تأكيد معظمها على حتمية خلود الروح, وإنما أريد خلود الإنسان بأفعاله, الأفعال التي تحمل سماته وبصماته إلى الأجيال اللاحقة. ولاشك في أن التميّز لايرتبط بالضرورة بعدد كبير من السنين, فالإسكندر المقدوني عاش مايقارب ثلاثين عاماً, والشابي مات قبل أن يبلغ الثلاثين.
لايمكن أن يكون مانرضى عنه من أفعال هو مايوثق حضورنا, فأكثر الناس قانعون تماماً بما يفعلون, ولكن علينا أن نقاوم فناءنا بجليل الأعمال, وهذه الفكرة هي جوهر ماسبقنا إلى التعبير عنه قبل آلاف السنين العظيم جلجامش بطل الملحمة الخالدة حين زلزله موت صديقه أنكيدو فهرع بعدها فاراً من الموت باحثاً من خلال مغامرته الأسطورية عما ينأى به عن العالم السفلي- عالم الموت- ليصل بعدها إلى إعلانه الموفق: الإنسان تخلّده أفعاله العظيمة. ولئن كان ذلك الباحث عن الخلود قد سطّر ملحمة تعدّ في نظر الدارسين من أهم ماحفظته ذاكرة القرون, فإن النتيجة التي سار من أجلها, عانقت وتعانق أفكار كثير من الناس على اختلاف العصور, فهذا يرى خلوده في بحث علمي, وآخر يراه في إبداع موسيقي أو رياضي أو فني أو أدبي. إذاً لنحاول أن نغرف من إناء الأفعال العظيمة مايحفظ بقاءنا.
إن أعمارنا وأعمالنا سبيلان متكاملان إذا شئنا العبور إلى أضواء الأجيال القادمة, ففي ذاكرة كل جيل أمكنة للعباقرة والمميزين.




رد مع اقتباس.gif)


مواقع النشر (المفضلة)