حكاية الطفل الذي لم يكبر
ها انا ذا اقف على ثانية جديدة من عمري ، خلفي اساطيل من اللحظات المتراكمة ، و أمامي اضواءٌ من مرايا الزمان المتعاكسة ، و لا ادري كم سيمنحني الزمان من قوت الوقت
خلفي عمر مضى ولا ادري لماذا اشعر بالحسرة عليه ، او على نفسي , او على ذلك الطفل الذي ما زال يبحث عن لغة اضاعها ، ليس الا هو يفهمها ، وليس الا هو يدرك مدى اهميتها ، لم اجد شيئا بعد يجعلني اندم على حزني ، ولم اجد فاكهة بعد تمنحني شهداً صافياً ، وتلك الروح الخفية ما زالت في شِرك المجهول ، ولم يُسمح لها ان تُعتق كي تحقق القدر الذي خُلقت لأجله ، كم اشتاقها في سراديب الوحشة الروحية ، وكم اصلي لها الحرية ، لانني وفي كل يوم اجوع لها اكثر
ما زلت افتش في الوجود عن اللاسراب ، عن تلك الروح التي تجذبني كالمغناطيس ، التي أشهق عندما اراها و اقول : نعم .. تلك هي ، و تكون – وفقاً لغرض خلقها – صافية من أي مكدرٍ كوني ، فتنسكب بروحي .. مثل عبقِ علويِ .. حين يتساقط كالثلج من السماء .. و يسكن وردةً محددة بالذات .. و يكون الامر حتيماً جداً .. فتغرد الطيور .. و ترقص الاضواء .. و تتراكض الفراشات .. و يعزف الهواء مقطوعة موسيقية توحي بالجنة .. و تكون الشمس هي المايسترو .. و كل ذلك أبتهاجاً لاكتمال أمرٍ كوني لا بد منه .. و بالرغم من التأجج الروحي الذي غمرني منذ نيسان المنصرم .. و بالرغم من حالة الوجودِ المُثلى التي أشعر بها و أنا بين يدي نيسان و لكن شوائب الزمان تخيفه من الإزهار ...
ما زالت هويتي مجهولة و ما زلت ادعو نفسي بضمير الغائب ، و اسمي مجهول اكثر ، ونظراتي مثل امطار تاهت عن الارض ، مثل عبير الزهر المنثور على حافة الورد بلا اي عنوان محدد ، مثل شفاة أُرغمت على لغة التراب ، رغم انها تثقفت في مدرسة الفجر ، مثل لحنٍ يبحث عن قيثارة مصنوعه من أوتار اللانهاية ، مثل مآقي الزهور لا تعلم لماذا عليها أن تيبكي الندى كل فجر
، ما زلت اشعر أنني مُنتقص الوجود و انتظر حدثاً عظيماً ، هو لي كما ولادة الشمس للسماء ، أو صوت الامطار للصحراء، و شعوري بذلك يأخذ شكل انتظار تحقيق الوعد ، فأنا مُتيقن من وجود هذا السر العظيم ، لكن لا أدري متى سيحمله الي القدر ، الآن ، في الغد ، بعد موتي ، لكنه حتماً سيأتي ...
أنا بعد تسعة عشر عاماً ، كأنا بعد تسعة اعوام ، مازالت نفس الفراشات تغريني ، وأناشيد الطفولة تعبق بذاكرتي ، و عيناي تسبق احدهما الاخرى إذا رأيت أمي بعد أي فراق طفولي : كالذهاب الى المدرسة او رؤية حلم مزعج أو حتى غيابها اللحظي في اي مكان مزدحم .. ولكن ما أختلف اليوم .. أن خشونة صوتي .. و اعتلاء شفتي اللون الاشقر .. يحد من جرأتي على تفجير نهريّ دموعٍ في حضرتها ..حتى أن حبي و تقديسي لها يذهب بي أن لا أُظهر أي ضعفٍ أمامها .. كي لا تؤلم قلبها الظنون .. فانا أعلم أنها اذا نظرت الى شيء من علقم نفسي .. فإن المرارة سوف تؤلمها أكثر مني
فأقول لها - بابتسامة كاذبة - اذا رأت دمعة تتسلل على جفني : يبدو أن شيئاً قد دخل عيني .. لا تقلقي يا امي انا بخير
و أذكر حين كنت في الثانوية العامة كيف عانقتني دموع حبها .. عندما سمعت باب الدرج العلوي يُفتح .. و كانت الساعة تقارب الثالثة بعد منتصف ليلٍ شتائي بارد .. فهُرعت فاتحاً باب غرفتي عندما رأيت أن أمي هي القادمة .. خفت كثيراً أن يكون مكروهاً قد حصل لها وأفزع سكينة نومها – لا سمح الله – فاستقبلتني بعصير التوت و الشكلاتة اللذان أحبهما و قالت لي : إن ليلك طويلٌ مع الكتاب وأنا اعلم أنك تحب عصير التوت ..
أُمي .. كم أنتِ ملاكٌ .. و كم أنا أحبكِ
اذا أقرّ القدر أن أودع مجموعة العَشَر و أن يكون الثامن و العشرين من تشرين الاول هذا أخر محطةٍ لي معها
فيا تُرى أي منزل ودّعتْ .. و أي زائرٍ استقبلت ؟؟
محمد قسايمة
28 / 10 / 2008 – الساعة الرابعة فجراً



رد مع اقتباس
[/align]


.gif)


.gif)



مواقع النشر (المفضلة)