المضافة
كانت جزءاً من ملامحنا، من تقاسيم حاراتنا، فيها فقط تجدل الضحكات الخشنة، وفيها تلتصق الحكايات على الجدران المدهونة بالشيد الأزرق، فيها يتم التصاهر،ومقايضة القمح، والحديث عن المواسم، فيها ينجلي العتاب،و يستد الدائنون ديونهم،فيها تُفتح سير الراحلين، والاتفاق على مواعيد توريد الحلال،فيها يتضمّن أبو يحيى ارض فالح الاطرم..وفيها يتكاثر الدخان والعرق و السعال و السواليف ..فيها يرتفع صوت اهتزاز الأكواب ، وشغب الشاي المسكوب من يد مرتفعة الى قعر كأس لا يملّ الضيافة، وفيه يتجلى حوار قدّاحات الكاز الذي لا ينتهي وتبادل صناديق التتن.
كانت مثل حناء العيد في يد طفلة، لها رائحة جاذبة تشبه عبق العشب الجاف، تشبه نفس الأب المتعب..كان لها حضورها بين البيوت فهي عجوز الطين المهابة والعظيمة ..أمّ الحارة والمحارة، هي خلاصة القرية ومستودع أسرار الرجال، فلا يجرؤ أي من سكّانها أن يلج بيته ولا يلقي عليها التحية أو يقبّل يدها بسهرة طويلة.
لا أعرف كيف هزمنا الاّن أمام انشغالنا، وكيف سيطر علينا هذا المزاج الكونكريتي ومنعنا ان نعيش حياتنا، هذا البيت السلحفائي الذي نخبّيء فيه رؤوسنا كي لا نرى الناس وكي لا يرانا الناس أرهقنا وفصلنا عن عواطفنا، وافقدنا حتى مهارات الحوار، وأنسانا أبجديات المجالس.
في كل المدن والقرى، تتسابق العائلات لبناء دواوين ومضايف خاصة بها، يكلف بناء أقلّها عشرات الآلاف،وبعد انجاز مهمة المشابهة والمحاكاة ، تغلق الأبواب، ويسهر الجميع في بيوتهم مثل الغرباء،منتظرين أحد قطبي المناسبات فرح أو عزاء ليجمعهم من جديد،فيفتح الديوان بابه متثائباً مثل موظف حكومي ..أثقله الواجب الرسمي لحين انتهاء ساعات الدوام فيغلق بابه وينام.
أنا حزين لأننا عققنا المضافة معبد اجتماعاتنا، وصندوق أعمارنا وتركناها للعتمة والسكون.
محج الفلاّحين والمتعبين، يجب أن تبقى مشّرعة الأبواب دائماً، فالجاعد المضياف، و الفجّة المزركشة، و المحماسة ورائحة القهوة، عبق الجميد، والعتبات التي تحفظ وقع أقدام الضيوف، وخيطان الألفة المتصاعدة و المعشعشة بين أذرع القصّيب هي ملامحنا ..
حرام أن نتنازل عن ذاكرتنا الغضّة كقامة القمح لمنجل النسيان..وعن حكاوي الليل،وزمن الذكريات، وأخاديد الزمن في الوجوه..
المضافة هي هويتنا الأردنية وجواز سفرنا الى التاريخ..
ahmedalzoubi@hotmail.com
احمد حسن الزعبي




رد مع اقتباس
يابه يطبّك مرض هسه انت فد مندله)..وبأخرى يقول: (أنعل أبوه اللي جاك)..وغيرها الكثير الكثير..

.gif)







مواقع النشر (المفضلة)