نهض الحصان
سقط حصان أحد المزارعين في بئر عميقة جافة, وهذا الحصان محط امل صاحبه وفي بعض الأحيان محط امل القرية لأنه حصان متطوع, فبدأ الحيوان بالصهيل, ليس خوفا من الظلمة,ولا من الوحدة, ولا من الصدمة, فهو من اعتاد اللطم والصدم والكدم, بل كان صهيله شفقة على صاحبه ليبلغه انه لا يزال حيا, واستمر الحال لطيلة ساعات, كان المزارع خلالها يتدارس الموقف ويفكر كيف يستخرج الحصان من ورطته؟ كيف عساه ان يساعد الحصان؟ ولم يستغرق الأمر طويلاً كي يقنع المزارع نفسه بأن الحصان قد أصبح عجوزا, خلَقٌ, خَرَقٌ, بالٍ, متهالكٌ, متآكلٌ, هدمٌ, ردم,ٌ عدمٌ, وأن تكلفة استخراجه تساوي تكلفة شراء حصان جديد, فضلا أن البئر جافة وملجفة ومهجورة منذ زمن طويل, و ردمها أولى بأي شكل , وأستفزع المزارع جيرانه (عليها عونة بالله)( وين النشامى) وطلب منهم الفزعة في ردم البئركي يحل مشكلتين في آن واحد، التخلص من البئرألمهجورة ودفن الحصان. وبدأ الجميع العمل بالمعاول والجواريف والأيادي في جمع مما توفر من الأتربة والنفايات وألأنقاض وإلقائها في البئرفي بادئ الأمر، ألأ أن الحصان ألأصيل العربي الأردني الجموح الطموح النطوح ذو القوائم التي لا تنثني ولا تركع ال لله تعالى ,ذو الناصية التي لا تنحني ولا تسجد الا لله عز وجل أدرك حقيقة ما يجري فأخذ في الصهيل بصوت عال يملؤه الألم والتأسي والحزن ليس شجبا ولا استنكارا ولا احتجاجا ولا استجداءً ولا استعطاءً انم متحسر مشفقا مستذكرا ايام الخوالي الخوالي ( مؤتة, القادسية, اليرموك , مرج دابق, عين جالوت, اللطرون , باب الواد,1967, الكرامة, تشرين 1973,) قائلا على مسمع الجميع ليس مستنجدا
انا الذي قامت قوائمه وأعتلى ظهري األأبطالا
انا ما انبرت همائمه ولي في النائبات سجالا
اسألوا مؤتة واللجون وأستقرؤا سهلها والتلالا
ما كنتم يوم كان سرجي وشررُ السيوف جدالا
سموني حمرالنعم والأنعام والعاديات والأنفالا
لم اكن بهيمة يوما, ولا مع البغال للوثر حمالا
نحن الصافنات الجياد ,مثل الأبل وحمر الجمالا
بنا الحروب عدة وليس كل الذي خالني خيالا
نحن المسومة خيلا, البلقاء والكحلاء للعز امثالا
في كتاب الله لنا المتن والسند والقصص الطوالا
وفي الهاشميين بلغنا الصين مجدا سهلا مطالا
طريق السند والهند للفتوح حوافرنا نبغي الوصالا
اليوم صرت للجرى والكرى والسرى هم توالا
ولي جديد عودة حينها يفحم البدرنورا قُمع الهلالا
انا الذي جُدِلت ظفائره وبالدم مضجرةُ الجلالا
أنا الأصيلُ بن الأصيلِ الذي كنت دوما إصالا
لعمري ما استجديتها,ولا بالأصالة لي مقالا
في داحسُ والغبراء ذبيانَ عبسٍ وابو زيد الهلالا
انا الدمُ والحمُ والجم والرمُ كأني بقايا قشتالا
ستبكون يوما عند حافري,سأذكر حالكم واي حالا
لست من الدجى مخافة ولا من الوغى انفعالا
ولا ذاك الذي يراقص الخيل مكرا رقصة المختالا
اخشى الماكر الفاسق المارق الرابض الدجالا
اخشى الخليط ,من رغثٍ ومن جَلَدٍ مربقةُ الحِبالا
ثم انقطع الصوت فجأة, بح المنادي, ساد السكون وظن الجميع ان الحصان قد مات , وبعد قليل ،استرق المزارع النظرإلى داخل البئر ليطمئن على وضع الحصان الذي يعز عليه, متأثرا بما سمع من عبارات تدمي القلوب وتجيش الخاطر وتفجر الحجر وتفتت الصخر, فأنذهل منصعقا لما رآه, فقد كان الحصان منشغلا بنفض جسده رافضا ألأستسلام فكلما سقطت عليه الأتربة يرميها على الأرض هنا وهنا معززا دوره معتمدا على ذاته وكأنه بلسان حاله يقول\" ما حك جلدك مثل ظفرك\" ميقنا واثقا من أنقاذ نفسه مستفيدا من ألأتربه وألأنقاض فيرتفع بمقدار ارتفاع الردم خطوة بخطوه للأعلى, ثم اعلى واعلى , اعلى فأعلى, لفقو الفوق الفوق, و استمر الحال هكذا والكل يلقي الأنقاض إلى داخل البئر فتقع على ظهر الحصان فيهز جسده فتسقط على الأرض فيرتفع خطوة بخطوة, مدٌ بمد, إلى أعلى مسخرا الجميع لخدمته دون علمهم, مستفيدا من الحالة الواقعية وهو درس قي فقه الواقع بلسان حاله يقول (استثمر الواقع لصالحك\" وبعد الفترة اللازمة لملء البئراقترب الحصان للاعلى و قفز قفزة بسيطة وصل بها إلى خارج البئر بسلام, وقال( أنا ألأردن, انا اليعربي , انا الفتى الهاشمي ) ,كذلك هوألأردن كلما تُلقى عليه ألأوجاع وألأثقال والمؤامرت والأزمات والأنقاض , سرعان ما قام كالحصان . وكل مشكلة تواجه ألأردن في الحياة هي حفنة من تراب يجب أن ننفضها عن ظهره حتى نتغلب عليها ونرتفع بذلك خطوة للأعلى, ننفض تارة جانباً ونصعد تارة خطوة للأعلى , ثم سنجد انفسنا يوماً على القمة (ألأردن أولا) لا نتوقف ولا نستسلم أبدا مهما شعرنا أن الآخرين يريدون دفننا أحياءً, ولو ان شخصين تشاجرا في السنغال فالأردن (الهاشميون بالذات )هم المعنيون ( بأحذ عطوة او صك صلح) بينهما أي من صميم رسالة عمان ومبدأ ألأردن اولا .وهنا لا اقول سقط الحصان بل نهض الحصان وأستزاد جوادة وجود وجودة.
قلم جعفر عايد المعايطه


رد مع اقتباس



مواقع النشر (المفضلة)