ذوقيّات المسجد
المسجد بيت الله سبحانه وتعالى ومكان العبادة, وموطن لالتقاء المسلمين في الحيّ الواحد أو البلدة الواحدة, ومن حرص الإسلام على بقاء هذا المكان سامياً في عيون المسلمين ليؤدي مهامّه العظيمة فقد وضع له آداباً عظيمة, وهذه الآداب العظيمة منها ما هو مخصّص لكل الصلوات ومنها ما هو مختصّ بيوم الجمعة فقط:
أهميّة الذوقيّات في المسجد:
للمسجد ذوقيّاته الخاصّة به, وهي عبارة عن سنن سنّها النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته هي الحياة الحقيقية قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (الأنفال24).
ومن هنا تأتي أهمية تطبيق هذه السنن:
• إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
• نيل الثواب العظيم على ذلك.
• زيادة الألفة بين المصلّين.
• تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } (الحج32).
ومن هذه الآداب:
1- اتخاذ الزينة (ستر العورة واللباس الجميل): {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (الأعراف31)
والزينة اللباس قاله ابن عباس (ابن كثير).
\" ولهذه الآية وما ورد في معناها أنّه يستحبّ التجمّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنّه من الزينة والسواك, لأنّه من تمام ذلك. (ابن كثير الأعراف 31).
إضاءة:
قد يكون خلع اللباس نوع من اتّخاذ الزينة وخاصّة لمن كانت ثيابه متسخة وغير نظيفة أو جواربه متسخة, ولها رائحة كريهة؛ لذا فإنّ خلعها يدخل تحت باب الزينة المطلوبة في المسجد.
2- القدوم إلى المسجد بسكينة وتؤدة:
الصلاة في المسجد دعوة من الله سبحانه وتعالى لعباده للقائه ومقابلته, والمدعو يجب عليه أن يكون متزناً عليه من السكينة والوقار ما عليه, فهو سيقف بين يدي الله سبحاه وتعالى ولذلك وجّه النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند القدوم إلى المسجد فعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: \" إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ, وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا \" (متفق عليه)
عن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعَ جَلَبَةً فَقَالَ:\" مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا استَعجَلنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ فلا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا \" (متفق عليه).
إضاءة:
إنّ بعض المصلّين يهرول في المسجد لإدراك ركعة مع الإمام, فإذا به يحدث جلبة تشوّش على الإمام و المصلين ويصل إلى الصف متعباً وهو يلهث فلا يعرف كم صلّى وماذا قرأ, وهو مع كل ذلك خالف السنة النبويّة الغراء.
3- الحفاظ على نظافة المسجد:
المسجد بيت الله سبحانه وتعالى, وأهمّ ما ينبغي للمسلم أن يفعله أن يعظّم هذا البيت تعظيماً لصاحبه, وأوّل أنواع هذا التعظيم أن ينظّف الإنسان المسجد أو على الأقل أن لا يرمي فيه أوساخه وأدرانه, وأن يلتقط وهو خارج من المسجد ما يجده في طريقه, وقد بوب البخاري رحمه الله باباً أسماه بَاب كَنْسِ المَسجِدِ وَالتِقَاطِ الخِرَقِ والقَذَى والعِيدَانِ منه؛ أي: من المسجد.
وجعل الإسلام لتنظيف المسجد الأجر العظيم حتى لو أخرج الإنسان معه من المسجد القذاة الصغيرة, فعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حتَّى القذَاةُ يُخرِجُهَا الرَّجُلُ مِن المَسجِدِ \".(الترمذي 2840). القذاة:\"هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ. (تحفة الأحوذي شرح الترمذيّ).
المكانة العظيمة:
وخادم المسجد في الإسلام ذو مكانة عظيمة ومحترمة, فهو ينظف بيت الله ويعمل عند الله سبحانه في بيته, ومن خطأ بعض الناس أنهم يصغّرون هذا الأمر العظيم وينظرون إليه نظرة دونيّة لكن النبي صلى الله عليه وسلم صحّح هذا المفهوم وصوَّب هذه الرؤية وجعل لخادم المسجد ومنظّفه مكانة عظيمة, فعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَودَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَو شَابّاً فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عَنْهَا أَو عَنهُ فَقَالُوا: مَاتَ قَالَ:\" أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي\" قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ:\" دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ\" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ:\" إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ \". (متفق عليه).
إضاءة:
تنظيف المسجد ليس وظيفة خادم المسجد فقط بل هي وظيفة كل روّاد المسجد وخاصّة أهل الحيّ، ويخطئ بعض الناس في تحميل خادم المسجد وحده مسؤولية ذلك, لذا لا بدّ أن يشارك كل وارد إلى المسجد في نظافة المسجد, أو على الأقل أن لا يحمل في حذائه وجواربه ما يتّسخ به المسجد.
ومما يلحق بنظافة المسجد أن يكون لأصحاب المهن ثوب خاصّ للعمل وآخر للصلاة, وخاصّة يوم الجمعة فعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى المِنبَرِ فِي يَومِ الجُمُعَةِ: \" مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَو اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَومِ الجُمُعَةِ سِوَى ثَوبِ مِهنَتِهِ\". (ابن ماجه 1085ومالك 223).
\" هذا حضٌّ من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على التجمّل للجمعة في اللباس, كما حضّ على التطيب والغسل والسواك, لأنّ يوم الجمعة يوم عيد فكان التجمل مسنوناً فيه كالفطر والأضحى وقوله صلى الله عليه وسلم (لو اتخذ ثوبين لجمعته) دليل على أنّ ذلك أقلّ ما يكون من لبس الجمال وحسن الهيئة على عادتهم من الملابس في ذلك الوقت واتّخاذها للجمعة سوى الثياب التي يمتهنها في سائر أوقاته يفيد قصرها على يوم الجمعة وأن تكون الجمعة مخصوصة بلبسها, وأن تكون له ثياب غيرها يمتهنها ويباشر الأعمال فيها. (المنقى شرح الموطأ).
ومما يلحق بنظافة المسجد عدم البصاق فيه أو في أفنيته وساحاته وما في حكمها, فعن أَنَس بن مَالِكٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ:\"التَّفْلُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ. وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا\".(مسلم كتاب المساجد باب التفل في المسجد).
\"وكفارتها دفنها\" واختلف العلماء في المراد بدفنها, فالجمهور قالوا: المراد دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاته إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها وإلاّ فيخرجها.\"
كما \" أن هذا القبح والذمّ لا يختص بصاحب النخاعة, بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حكّ ونحوه\".(فتح الباري كتاب المساجد باب النهي عن البصاق في المسجد).
مواقع النشر (المفضلة)