من يُدن المقاومة، كيف يقود شعباً مقاوماً؟!


رشاد أبو شاور
كاتب وقاص فلسطيني
rashads@go.com.jo
خاب توقع بعض الفلسطينيين والعرب، أن يدعو رئيس السلطة)أبو مازن)، رغم انتهاء فترة رئاسته، لمؤتمر صحفي حاشد، يعلن فيه موقفه من الحربالوحشيّة على أهلنا في قطاع غزّة، ويتّخذ موقفاً يختم به حياته السياسيّة، معلناًبحزم: أمام الجرائم التي يقترفها الكيان الصهيوني، ووحشيّة وبشاعة جيش الاحتلال،فإننا نعلن إيقاف المفاوضات نهائيّاً، وإعادة النظر جذريّاً باتفاقات (أوسلو) ...
أنا لم أكن من أولئك المراهنين على موقف انقلابي لأبيمازن على فكره ومسيرته السياسيّة، لأنّ الرجل، وكما ثبت من جديد، ينفر منالمقاومة، فكرا، وممارسةً، ولا يغيّر موقفه من خيار (أوسلو)، ونهج المفاوضات،مهما حدث...
في مؤتمره الصحفي بالقاهرة، وبعد لقائه بحسني مبارك،أعلن من جديد: مقاومة تدمّر شعبنا ..لا نريدها.
رغم كّل ما يقترفه جيش الاحتلال، بتوجيه قيادتهالسياسيّة الشريك في عمليّة سلام (أوسلو)، فإن أبا مازن لا يريد مقاومة، يتهمهابأنها تدمّر شعبنا!
ما الذي يريده أبو مازن إذاً؟! مقاومة لا تدمّرشعبنا!
إنه لا يريد سماع حتى اسم المقاومة، فماذا حقق هو لشعبناباتفاقات (أوسلو)؟ هل يمكن أن يقف أمام شعبنا ليجيب على السؤال، وبالوقائع، ليدحضالتهم الموجهة له ولكّل من أسهم في خيار سلام أوسلو؟!
منذ العام 1993، وحتى حزيران 2007، أي تاريخ هيمنة حماسعلى قطاع غزّة، ما الذي جلبته مسيرة السلام مع الكيان الصهيوني لشعبنا؟ ماذا أبقتمن الأرض، والماء، والاقتصاد، والتعليم، والقدس، وتحرير الأسرى؟!
ألم تكفكم خمسة عشر عاماً من بيع وترويج الأوهام يا أبامازن؟! ومع ذلك، ومع كل الفشل، والخراب.. تدين المقاومة؟!
في التظاهرات التي تملأ شوارع العالم، والتي تعيد وهجفلسطين، وتعلي من عظمة شعبنا، وتدين الكيان الصهيوني وأمريكا، وكما لم يحدث منقبل، سمعنا ألوف الحناجر تهتف: اعطني حريّتي.. أو الموت! أليس هذا هو شعار شعبنا : الموت ولا المذلّة؟
ما هو الخيار الذي كنت تريد شعبنا أن يختاره منذ بدأتالغزوة الصهيونيّة لوطننا فلسطين؟!
كيف كنت تريد لشعبنا أن يواجه الانتداب البريطاني الذياحتّل وطننا - بعد أن منح اليهود وعد بلفور - فخرّب الزراعة، ودمّر الاقتصاد،وأرهق شعبنا بالضرائب، والسجون، ونفى قادته، وسهّل تسلّل ألوف اليهود برّاً،بحراً، وجوّاً، ومكنهم من تأسيس مستوطنات انطلقت منها عصابات القتلوالاحتلال؟!
من هناك، بدأت مقاومة شعبنا التي تدينونها، أنتم مناخترتم العناق، والصداقة، ونسجتم حبل المودّة مع بيرس، وباراك، وأولمرت،وليفني...
يا أبا مازن: من هو الشعب، على وجه هذه الأرض، الذيتحرر بدون مقاومة؟!
أنت وقريع رضيتما ببنود (أوسلو)، من وراء شعبنا، وعليهاوقّع الراحل أبو عمّار في حديقة البيت الأبيض في أيلول 1993، ومضيتم على طريقالسلام... ومع ذلك، وعند بدء التململ من جور الاحتلال، فقد دمّرت مقاركم في رامالله، وسُمم الرئيس عرفات، و..ضاعت الآمال، وتبددت الأوهام، وما بقي سوى القليلمن أرض الضفّة، وحقولها...
لكنكم لا تراجعون طروحاتكم، فأنتم أدمنتم المفاوضات،وطاقمكم المفاوض يستمتع بحياته التفاوضيّة، وينظّر لها...
ألم تدمّر مسيرة أوسلو حياة شعبنا في الضفّة والقطاع؟
ماذا تسمّي الحواجز، والطرق الالتفافيّة، والجدار،وتغيير معالم القدس، و11 ألف أسير وأسيرة؟ بناءً وازدهاراً وإنجازات بفضل بركاتسلام أوسلو، وواقعيتكم، وحكمتكم!
ماذا بقي لشعبنا من خيارات بعد أن منحكم 15 عاماً لتأتوهبالدولة الفلسطينيّة؟
بوش وعدكم بدولة قبل نهاية ولايته، فماذا أعطى لشعبناقبل نهاية ولايته بأيّام؟! مذابح غزّة، وتغطية العدوان بمبررات الحرب على حماس،ومزيد من شحنات الأسلحة تنجز المزيد من التدمير!
يبدو أنك وطاقم المفاوضات لم تقرأوا ما كتبه جون بولتونأحد أوقح وجوه المحافظين الجدد، في صحيفة الواشنطن بوست، معلناً الخطّةالأمريكيّة لحّل المشكلة الفلسطينيّة؟! اقترح بولتون أن يُعاد القطاع لمصر،والضفّة للأردن، لأنّ هذا هو المخرج من هيمنة حماس على القطاع، ولأنّ السلطة فيالضفّة ضعيفة وفاسدة وفاشلة، وعاجزة عن إن تكون سلطة قويّة!
ماذا تقترح يا أبا مازن أنت والطاقم المحيط بك، والذياختار أسلوب التفاوض مهما حدث، حتى لو دمّر العدو الأقصى، ونهب كّل أراضي الضفّة، وتنكّر لكل القرارات الدوليّة، وفي مقدمتها قرار حق العودة 194؟!
كّل الشعوب، والأمم، المُستعمرة، اختارت المقاومة،ومن لم يخترها اندثر وانطوت صفحته في التاريخ ...
وكّل من اختار المقاومة يعرف أنه سيقدم تضحيات كبيرة. هذاما حصل في الجزائر التي انتزعت حريّتها من فرنسا، وفي المغرب الذي طرد إسبانيا،وفي ليبيا التي تحررت من إيطاليا، وتونس التي بالمقاومة كنست الاحتلال الفرنسي،وفيتنام التي هزمت أمريكا، وجنوب أفريقيا التي أنهت التميّيز العنصري ...
دلنا يا أبا مازن على بلد فاز بحريّته بلاتضحيات!
في مؤتمرك الصحفي قلت بأن من يرفض وقف إطلاق النار يتحمّلالمسؤوليّة...
وقف إطلاق النار يجب أن يتحمّله من أطلق النار. من يحاصرغزّة. من يدمّر البيوت، والمدارس، والمساجد، ويهدد بتدميرالمستشفيات.
في هذه الحرب الوحشيّة، التي يستعمل العدو فيها أسلحةتدميريّة أمريكيّة تجرّب على أهلنا من أمريكا بوش التي وعدتكم بدولة، لا يساوى بينمقاوم يدافع عن بيته وأهله بأسلحة متواضعة، وجيش مُعتد مدجج بأسلحة تدميريّة تفتكبشعبنا !
هذه الحرب الوحشيّة معلنة الأهداف: تدمير مقاومة الشعبالفلسطيني، و..ووضعه أمام خيار واحد: الاستسلام، والخنوع لشروط حلف الأعداء الذييضّم أمريكا بوش، والكيان الصهيوني، ونظام كامب ديفد الذي افتضح أمره أمامالعالم.
هناك في السلطة من يحلم بانتهاء المقاومة، لينصّب رئيساًيخلفك، وهناك طامحون لوزارات، وهؤلاء يعـرفهم شعبنا، فهم من تمرّد على الرئيسعرفات، بل وتآمر، والأمر ليس سرّاً ..فأين موقع هؤلاء في (المؤامرة)؟ هؤلاء الذيلم يقرأوا ما كتبه بولتون، والذي لن يكونوا سوى أدوات تستعمل لفترة ...
المقاومة لن تنتهي ، وفي أصعب الظروف والأحوال ستستمّر،حتى لو اقتحمت دبابات العدو شوارع غزّة، وهي إن شاء الله ستجد الدمار والحرائقوالموت الزؤام لها ولمن يحتمون بحديدها...
لقد لجأتم لقمع شعبنا في الضفّة، وحرمتموه من تفجيرانتفاضته الثالثة، مؤقتاً، وبهذا فأنتم فوّتم الفرصة على شعبنا للخروج من كارثةأوسلو.. أتعرف رأي شعبنا في دوركم؟!
إنكم يا أبا مازن ، لا تنطلقون في مواقفكم ، من الحرص علىشعبنا ، وقضيتنا، ولكن، وهذا أقّل ما نقوله، لأنكم أسرى خياركم الوحيد، خيارالرهان على أمريكا، ونظام كامب ديفد، و(أريحية) قادة الكيانالصهيوني.
يا أبا مازن : يوم 21 آذار 1968 خاض الفدائيون القلائلمعركة الكرامة، وكان قرار قيادة فتح الصمود وعدم الانسحاب من الميدان... خرجت فتحقائدةً، وتكرّس نهج المقاومة بالقرار الشجاع والتضحيات .
اليوم في غزّة ، من جديد ، ستخرج المقاومة منتصرة، وكمأتمنّى أن تنهض فتح من جديد، وتتجاوز من سرقوا دورها، وشوهوا مسيرتها، لتكونشريكة لحماس، والجهاد، وكّل فصائل المقاومة، في (الكرامة) الجديدة التي ستنهيحقبة (أوسلو)، وبالمقاومة ستنقذ شعبنا من (مؤامرة) مشروع بولتون (الأمريكي)الصهيوني...
شعبنا المقاوم ، يا أبا مازن، لن يسمح بعد (غزّة)، أنيقوده من لا يؤمنون بالمقاومة، فكيف بمن يعادونها؟!.