مجنونة البلّور...
لا سني العمر، ولا تعب الأيام، ولا همّ الأولاد، غيرت من بعض طبائعها المجنونة شيئاً.
فعندما تبدأ حبَّات المطر البلورية بالهطول على سبيل المثال، تنسى ما اضطرت خلال مشوار الحياة من التعود عليه من وقارٍ زائف، تركض على امتدادِ شوارعٍ مغسولة بالدموع، ترفع كفَّيْها للسماء لتستحث ندى السماء، توشوش الزقاق عن كل هذا الحب، تُدندن بما ليس بالضرورة أن يكون أُغنيات يعرفها الناس، ربما ترانيم صلاتها الخاصة بها، في شُكر الرب، والصلاة من أجلِ خيرٍ يعم وسلام ينشر بشائره على الدنيا وما فيها.
وعندما يكون الهطول بحجم عاصفة من برقٍ ورعد وزخّاتٍ كريمات، لا تعود صديقتي (المجنونة) كما أراها وأناديها، تأبه بنزلةِ بردٍ غاشمة، ولا بنوبةِ إنفلونزا مرعبة، ولا برشقاتِ سياراتٍ عابرة. هي وحْدها وأحلام صِباها الذي كان، وَحوش بيتهم الكبير بحجمِ كرمِ الناس في الجنوب الطالع من حرارةِ الأرض والنبض والأغنيات، تهمس لحبة مطر تخلَّفت عن ركب القافلة، وتبوس نسمة ريح مرّت كقبضة من زعفران، وتُناجي العاشق الحيران في أمرها وأمره وأمرهما معاً.
تناجيه دائماً ولا تبوح له بتلك المناجاة المتعانقة مع أشياءِ الطبيعة وعناصرِ الكون.
وفي قلب المطر، تُنادي فيروز، وتلوّح لحبيبٍ بعيد، خلف أعالي البحار، وتشتاق لأغنيات أم كلثوم، وديميس روسس، ورقص جين كيلي ملء شوارع الصخب.
تبتسم وهي تمتص حبات مطر سالت حتى حدود ثغرها العطشان للوله الإنساني الشفيف.. تتذكر الغائبين، وتحنو على قطةٍ راجفة فوق جدار قابل للانهيار، وتعرج على طفلٍ منعه شظف العيش من الهرب إلى حضن أمه، أمه غير موجودة هكذا أخبرها بعينين غارقتين بدمعٍ مكابر، تُعانقه بدمعٍ سخي كسر حواجز الخجل والوجل والتردد، تمنحه بعض الرضا وما يكفيه قناعة عودة معقولة لأخوة وشقيقات ينتظرون.
تتسلل إلى فراشها بعد الجولة المجنونة إلى أبعدِ الحدود، تداري الرجفة بهدهدة رقيقة المعنى وعميقة التأمل.
يصل مسامعها صوت المطر الذي لا يتوقف، لا تتمالك نفسها، تنفض عنها انتكاسة القعود، وتعاود جولة الانتحار عِشقاً تحت وابلِ المطر العظيم...
تنسى أن تموت هناك حيث عناق الحبات الطالعات من حقلِ لؤلؤ، مع صدر التراب ومداه الذي لا ينتهي.. فتعود أدراجها وقد أسدل الليل ستائره الناعسة.
ولصديقتي طقوس مختلفة في غير مناسبة المطر، في شرب القهوة، واستقبال الليل، وإيقاد الشموع، والتهام التمر وحبَّات الشوكولاته المشبعة بالعبق والكاكاو والسحر العذب المذاق.
ولأنها مجنونة تماماً فإنَّ سؤالاً مُلحاً يُلاحقها وتخجل منه كخجل محمود درويش مِن دمعِ أمه: ماذا لو قامتْ الحرب وانقطعت القهوة!؟! فهل الحنين لخبزِ الأم وقهوتها العابقة بالهيل والصلوات والحب الكبير؟ هل هي نجواها على أبوابِ ربيعٍ يقرع بوداعة أبواب الناس ونوافذ العشاق؟
منقووول




رد مع اقتباس.gif)



.gif)

.gif)


مواقع النشر (المفضلة)