استقبل الناس نبأ الحريق الهائل الذي اندلع فجر امس الاول في سوق البلابسة وفيلادلفيا بحزن شديد خاصة وان البعض اعتقد ان سوق الحميدية التراثي قد طالته نيران الحريق ، وهذا الذي لم يحدث كون الحريق لم يصل ابدا الى مداخل واروقة سوق البخارية الارضية وهي اساس هذا السوق ، لكن النيران امتدت الى الطابق الثاني والثالث من المبنى الذي يضم سوق البخارية الذي هو اصلا مركزه الطابق الارضي ، اما الطوابق العليا المنكوبة فهي تسمى سوق فيلادلفيا ويستخدمها التجار كمستودعات للالبسة والبضائع.ويستذكر اهل عمان القديمة حرائق مماثلة شهدتها بعض الاسواق ، في فترات سابقة حيث قال مجدي الحمصي لـ"الدستور" وهو صاحب احد المتاجر وسط البلد ، انه يتذكر جيدا حريقا ضخما نشب عام 1968 في سوق القماش بمحاذاة المسجد الحسيني الكبير وبالجهة المقابلة لسوق البخارية حيث اتت النيران على ذلك السوق في حريق ضخم كان حديث الناس لفترة طويلة حيث ذهبت محال باكملها في ذلك السوق الذي كان يتخصص ببيع القماش.في حين اكد ادوار بوري الشهير بـ"ابوبندلي" وهو يمتلك صالون حلاقة في قاع المدينة منذ عام 1950 انه يتذكر حريقا اخرا وقع في السبعينيات من القرن الماضي في سوق منكو بوسط البلد لكنه لم يكن بحجم الحريق الذي تعرض له مؤخرا سوق البلابسة وفيلادلفيا ، حيث ان الحريق الذي وقع في سوق منكو بدأ بمحل داخل السوق وتم السيطرة عليه قبل ان يمتد لبقية السوق.ويعتبر سوق البخارية احد المعالم التراثية في عمان القديمة يقف كشاهد على تاريخ المدينة الحديث الذي تجتاحه الحداثة ، وقد اصبح السوق احد أبرز ما يميز عمان القديمة.حيث يقع سوق البخارية بالقرب من المسجد الحسيني الكبير على مشارف شارع طلال الذي يرتبط تاريخ تأسيسه ببدايات تأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921 ، ويقودك السوق للمعالم القديمة لعمان والتي كانت ولا تزال أحد الشواهد على تاريخ تأسيس العاصمة الأردنية.وتعود قصة سوق البخارية إلى عام 1934 عندما أسس كمال الدين البخاري "الاذري" السوق الذي استقر في مكانه الحالي عام ,1942 وكان بمحاذاته سابقا سوق السلاح قبل ان ينتقل الى نهاية شارع طلال. وفي هذا الامر قال" محمد عبده" حفيد "البخاري" مؤسس السوق إن جده حضر من أوزبكستان في رحلة حج مطلع الثلاثينات من القرن الماضي ، وزار القدس كعادة الحجاج في ذلك الزمان ، واختار أن يستقر في عمان ، ويؤسس السوق الذي تخصص بالمهن التقليدية.وأضاف أن جده أسس سوقا تباع فيها الخناجر والأحجار الكريمة وأنواع السبحات والنحاسيات بأنواعها.قوافل عديدة سلكت بعد ذلك التاريخ طريق الحرير ذهابا وايابا ، وقد عرف اصحاب تلك القوافل حاجة ابناء عمان وضيوفها ونوعية البضائع التي تستهوي الزبائن الذين يبحثون عن الجديد. وتؤكد الرواية ايضا ان العباءات المقصبة ومختلف انواع الانتيكات والعطور كانت تفرض حضورها على محلات سوق البخارية وتستقطب عيون الزبائن من مختلف الجنسيات.منعطف هام عاشه السوق ، ببضاعته وتجاره وزبائنه ، في اربيعنيات القرن الماضي ، هذا المنعطف تمثل في الزيارات المتكررة التي كان يقوم بها الملك المؤسس عبد الله الاول "طيب الله ثراه" لسوق البخارية ، وتحديدا بعد صلاة الجمعة من كل اسبوع التي كان يحرص على ادائها في المسجد الحسيني الكبير ، وتشير الرواية المتداولة ان التجار كانوا يستعدون مبكرا لتلك الزيارة الكريمة قبل موعدها ، فيحرصون على توفير كل انواع البضاعة التي قد يحتاجها الملك المؤسس او مستشاروه والعاملون في حكومته ، وكان يوم الجمعة اكثر الايام حراكا في اجواء السوق بسبب قدوم اعداد كبيرة من المصلين من خارج محيط وسط البلد ، اي من اطرافها البعيدة ، لاداء صلاة الجمعة بمعية الملك المؤسس ، وكان طبيعيا ان يمثل ذلك حالة انتعاش للسوق .ويتحدث قدامى التجار ايضا ان قائد الجيش ، الجنرال البريطاني كلوب باشا ، كان يبعث باحتياجاته مكتوبة على ورقة بيد احد مرافقيه ، ويقوم التجار بعد ذلك بتجهيز( الطلبية ) وارسالها الى مقره الرسمي.يستمر السوق حتى اليوم في بيع الملابس التقليدية والأحجار القديمة والصناديق التراثية والأدوات الموسيقية البدوية القديمة ، ولوازم المهن التقليدية كالحلاقة وسجاجيد الصلاة وغيره الامر الذي يجعل حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين يقومون بشراء السبح وسجاجيد الصلاة من ذلك السوق وتقديمها كهدايا للزوار عقب عودتهم من الحج ذلك نظرا للاسعار الشعبية التي يتمتع بها السوق ويعتمد في معظم بضائعه على الصناعات التقليدية المستوردة.ويتوارث اصحاب المحال في السوق تلك التجارة عن ابائهم واجدادهم بحيث يتواجد عدد من الذين تعلموا عن ابائهم حرفة صناعة وتركيب السبح والمطرزات والتي تعتبر منتجات يحرص السياح على شرائها عندما يزورون السوق الذي تحيط بهم اعداد كبيرة من متاجر التحف والشرقيات. وسيبقى "البخارية" بعراقته شاهدا على روح عمان ونبضها الذي يحاكي التاريخ ويلامس اهدابه بالتراث الخالد والتاريخ المشرق.عمان - الدستور - محمود كريشان
تفاصيل الخبر هنا...


رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)