د.. محمد سعد أبو العزم : بتاريخ 31 - 7 - 2009
نعم يا "ربيعة قدير".. أرجو منك العفو والصفح، نيابة عن أكثر من مليار مسلم، لا أملك إلا أن أطأطئ رأسي خجلا من موقفنا المتخاذل حكاما وشعوبا، ولكن ما باليد حيلة يا سيدتي؛ فلو كنت من البوذيين مثل "الدلاي لاما" لوجدت الكثير ممن يتظاهرون من أجلك في شتى أنحاء العالم، أو لو كنت يهودية تدافعين عن حقك في دولة "إسرائيل" الكبرى لوقفت دول العالم الكبرى في صفك وحشدت جيوشها من أجلك.
دعك من ذلك كله؛ فيكفيك فخرا يا سيدتي أنك تقاتلين من أجل أشرف قضية، ولم لا.. وقد صرت رمزًا للنضال من أجل قومك من "الأويغور" المسلمين، ولم لا.. وأنت أيضًا قد تركت حياتك وتجارتك التي جعلتك من أغنى عشر سيدات في الصين، لتعيشين في المنفى بعيدا عن الثروة والمناصب، تركت حياتك الرغدة الهادئة بين أبنائك الأحد عشر في إقليم تركستان الشرقية- أو كما يسميه الصينيون (شينغيانغ) -لتعيشي وحيدة محرومة منهم، بعد أن أصبح معظمهم في سجون بكين.
أعتذر إليك أن أغلبنا لا يعرف حتى اسمك، فضلا عن أن يعرف تاريخك المليء بالبطولات أو تاريخ شعبك الأويغوري العظيم، الذي يقارب العشرين مليون مسلم، يعيشون في مساحة تتجاوز المليون ونصف المليون كيلومتر مربع. لا أملك إلا الأسى عندما أعلم أن مسلمي الإقليم كانوا يمثلون 90% من سكانه قبل وقوعه تحت السيطرة الصينية، أما الآن فقد صاروا 40% فقط لصالح تزايد قومية "الهان" الصينية، بسبب نقل السلطات أعدادا كبيرة منهم لإكساب الإقليم طابعا صينيا كاسحا.
أعلم أنك كنت تصرخين دوما، وتستغيثين العالم، مما تعانونه من اضطهاد لأنكم فقط تدينون بالإسلام، وأن كل ما تطلبينه هو مجرد الحياة الكريمة، واحترام حقوق المسلمين التي انتهكت من خلال خطط مدروسة، تمثلت في إلغاء اللغة الأويغورية، ومنعكم من العمل في الشركات الصينية، خاصة بعد اكتشاف آبار البترول في الإقليم، وحتى المدارس الإسلامية والمساجد فهي إما مغلقة أو خاضعة لقيود صارمة، بالإضافة إلى منع أبنائكم في المدارس والجامعات من تأدية الصلاة، ومن صيام رمضان، بل وصل الأمر إلى منعهم من حمل المصاحف أو امتلاكها.
أعترف لكِ يا سيدتي.. بأنني تألمت كثيرا لما قرأت تجربة الأستاذ "فهمي هويدي" حينما زار بلادك، حتى هو الآخر تألم لما وجد أن مساجد " شينغيانغ " ليس فيها مصاحف، وكان كل ما شاهده هناك بعض الأواني الخزفية التي كتبت عليها بحروف عربية عبارة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وهو لا ينسى منظر أحد الأئمة حين قدم إليه نسخة من المصحف، فظل يقبله وهو يبكي، ولا مشهد الشاب الذي جاءه يتوسل أن يعطيه مصحفاً، لكي يقدمه مهراً لمحبوبته التي ينوي الزواج منها.
قد لا يعلم الكثير منا أنك رغم سنوات عمرك التي جاوزت الستين، بدأت حياتك ببيع الملابس التي تقومين بتصنيعها بنفسك، حتى اعتقلتك السلطات الصينية بتهمة خرق القانون الذي كان لا يسمح "للإيغور" بالعمل في التجارة، وعندها اضطررتِ للعمل في مجال تنظيف الملابس، ولكن لأنك لا تعرفين اليأس فقد عدتِ للتجارة مرة أخرى، لتصبحي بالفعل مثالا ناجحًا للتاجرة المسلمة؛ حيث توسع نشاطك التجاري من الإقليم التركستاني إلى الأقاليم الصينية الأخرى، ثم إلى دول آسيا الوسطى القريبة جغرافيا ًوثقافيا ودينيا، ولكن خلال هذه المسيرة الحافلة كانت قضية شعبك من المسلمين هي رفيقك في النجاح؛ فها أنت توجهين جزءا من دخلك ومشروعاتك لمساعدة النساء "الأويغوريات" الفقيرة في الحصول على عمل، وتساهمين في تقديم المشروعات الصغيرة لرفع مستوى معيشتهن من خلال حركة " الألف أم"، إضافة إلى افتتاحك لمراكز تعليم اللغات ومحو الأمية، وهو ما كان سببًا في إثارة مخاوف الحكومة الصينية من أي تحرك اجتماعي اقتصادي مستقل بين القومية الأويغورية.
كم كنت عظيمة حينما رفضتِ أي مساومة من أجل قضيتك العادلة، كما رفضتِ العرض المغري بتولي أعلى المناصب في الدولة مقابل أن تتبرئي من زوجك المعارض للنظام، رفيق الكفاح "صديق راضي" الذي قضى في السجن 10 سنوات عندما كان طالبًا؛ لتنظيمه مظاهرات ضد سياسات الحكومة الصينية.. وبعد أن أصبح أستاذًا جامعيا استمر معارضا شريفا وساهم في إذاعة راديو آسيا الحرة بمساهمات أغضبت حكومة بكين، فوضعته في قائمتها السوداء، واضطر بعدها أن يترك بلاده ليعيش في منفاه بالولايات المتحدة.
ما أعظمك يا سيدتي.... وأنت تقضين مع ابنك خمس سنوات في المعتقل صامدة كالجبال الرواسي، وحتى مع تدهور حالتك الصحية بقيت ثابتة على مبادئك، حتى اضطرت السلطات الصينية للإفراج الصحي عنك مقابل مغادرة البلاد خلال 3 أيام، لتبدئي مرحلة جديدة من النضال في المنفى مع زوجك، ويصبح ذلك سببا في تسليط الضوء مرة أخرى على قضية المسلمين في بلادك.
لا أجدني يا ربيعة أزيد عما قاله الزميل "صهيب جاسم"، من أنك امرأة تسيرين على مبدأ الإمام "ابن تيمية"، فكل الحالات المحتملة في صالحك: السجن أو النفي أو القتل... فستكون وفاتك -إن كان ذلك مكتوبًا - تخليدًا لكِ ضمن سجل شهيدات المسلمين في القرن الحادي والعشرين، وسيزيد من السخط على حكومتك بين أبناء قومك، وإن بقيت في المنفى فستكونين دفعة جديدة لتحركات الأويغوريين في خارج الصين، ولو عدتِ إلى السجن مرة أخرى فستظلين مثالا للشجاعة والقوة والتضحية والولاء.
وفي جميع الحالات فأنت المنتصرة مهما بدا للجميع غير ذلك، أما نحن فلا نملك إلا أن نقول .. سامحينا يا "ربيعة".
مواقع النشر (المفضلة)