عندما يقترب الشتاء يبتهل الأئمة في المساجد وتلهج ألسنة الفلاحين بالدعاء ليمن الله علينا بموسم طيب فنؤمن على دعائهم وابتهالاتهم بقلوب كلها الرضا، ولكن هناك من يطل علينا بمنتهى "برادة الوجه" يدعو ويبتهل مع إقتراب الشتاء ليتمتع بموسم وفير من "الرومانسية" ولست أدري من ذا الذي قال أن الشتاء بطبيعته يدعو إلى الرومانسية؟ لا بد وأنه لم يتعرف على الفلاح إلا في "درس المحفوظات" ولم يطلع على تعريف الرومانسية في قاموس الدراويش، لابد وأنه ممن أحيطوا بالدفئ من كل جانب ، بيته دافئ وسيارته دافئة ومكتبه دافئ و حبيبته أيضاً من النوع الدافئ،حتى شارعه رغم البرد والأمطار جاف ودافئ...
شتاء الطيبين إللي "على باب الله" أجوائه مختلفة تماماً يمكن وصفها بأنها اجواء ألفة تجمعهم حول لا شيء إلا أنفاسهم وقليل من خيال دفئ، أنها أجواء برد و طين وفحم وغاز، صدقوني يمكنكم وصف شتاءهم بأي صفة إلا الرومانسية، وأي رومانسية تلك التي ستجلبها رائحة الكاز المنبعثة من يد أبو العبد و رائحة شال الصوف الغافي على كتف أم العبد، وقد يقترب أبو العبد ممازحاً أم العبد ومهدداً إياها بتلطيخ شالها بالكاز فتنهره بمنتهى "الجفاصة" قائلة: لا تحرقنا يا زلمة ما إنت عارف إنه شال الحيلة وإذا إنحرق معك تجيبلي غيره؟ ولايكون بدك تحرقني أنا كمان؟!!! يبتأس أبو العبد ويغسل يديه على عجل مصوراً بذلك إحدى صور "الرومانسية الزوجية!!!"
في الكرم الصغير إلتهبت الجروح في يد أبو فارس وهو يمسح الصقيع عن ثماره ، الكثير من الطين غطى جزمته البلاستيكية الزرقاء فأثقلها و أرهق خطاه، دموع السماء إنهمرت بشدة على شماغه العتيق فبللته وبللت لحيته الكريمة وبللت قلبه المتعب. وهذا ما يسمى حسب قاموس الدراويش بـ"رومنسية الطبيعة"...
في "مدرسة ما" يجلس طفل ضئيل الحجم في زاوية الصف يرتجف تحت الشباك مثل العصفور ، تصفر الريح في أذنه وتنساب المياه على معطفه فلا يدري ماذا يفعل ولاتدري معلمته المسكينة ماذا تعمل تضمه وتحاول تجفيف ما يمكنها تجفيفه. وهذا النوع يطلق عليه اسم " الرومنسية المدرسية" ...
وماذا عن تلك الصبية التي ترتدي جلباباً صوفياً طويلاً مبلل الأطراف و مليء بتفاصيل داكنة، تنتظر حافلة أو تكسي أو حتى عفريت ليقلها ثم تأتي الحافلة فترشقها ولا تقلها ويأتي التكسي فيرمقها ثم يرشقها ولا يقلها ويأتي العفريت فيرق لحالها ويتمنى لو كان بإمكانه أن يقلها. وهذا مايعرف بـ"الرومنسية الأخلاقية"...
ولايزال على هذه الأرض من يستفزني كل عام و مع بداية كل شتاء و يقول لي بمنتهى "اللاإنسانية" : "ياااااي على أجواء الشتا شو رومانسية" !!
وأنا لا أملك إلا أن أقول: أهلاً بنعمة الله.... 100 أهلين بالشتوية... بس رجاءاً خلوها بدون رومانسية!!.
رحمة منذر مريان




.gif)
رد مع اقتباس
.gif)





مواقع النشر (المفضلة)