ليس بدعا من القول ان المجتمع العربي يعد من المجتمعات الأبوية (البطركية) وان المرأة في التراتبية الاجتماعية تحتل موقعا لاتحسد عليه فمكانتها في معظم مجتمعاتنا العربية تتدنى طبقا لمقولة المجتمع الذكوري وعلاقات النوع gender relations التي تتأسس على ايديولوجية الفروق الصارخة بين الجنسين. غني عن الذكر ان هذه الأيديولوجية تتجذر من خلال الموروثات الثقافية culture من جهة، ومن تفسيرات غير منصفة بل ومتعسفة للنص الديني ما يشير الى جنوح التفسيرات الدينية نحو مماهاة الثقافة وتقاليد المجتمع. ومن صور المعاناة التي تواجهها المرأة في معظم الأقطار العربية مشكلة العنف الأسري domestic violence والتي تشي بوجود خلل علائقي بين الجنسين تصبح المرأة في نهاية المطاف ضحيته.
ويعرف العنف الأسري بأنه ايذاء abuse مقصود يصدر من الأقارب سواء كان بدنيا كالضرب، او لفظيا كالسب وأستخدام كلمات قاسية لأهانة الضحية، او نفسيا كأيذاء المشاعر، او جنسيا كالأغتصاب، واجبار الضحية على ممارسة سلوك جنسي محرم او دفعها للقيام بذلك. ومن العنف كذلك ما يطلق عليه العنف الصحي كأجبار الضحية على الحمل والأنجاب وهي غير راغبة، أو ان صحتها لاتساعدها ذلك، ومن العنف الصحي كذلك منع الضحية او اعاقتها من الحصول على العلاج والرعاية الصحية المناسبين. ويضيف البعض انواعا أخرى من العنف كالعنف الاجتماعي ويمثلون عليه بتعليق الأزواج زوجاتهم فلا يمسكونهن بمعروف ولا يطلقونهن بأحسان، وربما منعوهن من رؤية ابنائهن بعد الطلاق ما يسبب لهن اذى نفسي بليغ، وقد يمتنع بعض الأزواج من دفع النفقة وهو ما يدخل تحت العنف الاقتصادي الذي يمثلون عليه كذلك بالأستيلاء على حقوق الضحية المادية وانكار حقوقها في الميراث. ومن انواع العنف الأسري الشائعة ما يسمى بالعنف النفسي كأيذاء المشاعر. وأخيرا فهناك ما يسمى بالأهمال neglect وهو أحد صور العنف الأسري حيث يتم تجاهل حقوق المرأة المادية والمعنوية، وهجرها وكأنها خلقت فقط لمتعة الرجل وخدمته دون اعتبار لآدميتها ومشاعرها.

تشير بعض الدراسات الى ان العنف الأسري ضد المرأة غير واضح تماما في العالم العربي بسبب غياب الأحصاءات الدقيقة حول حجم المشكلة، وأن مايتم رصده وتوثيقه قليل جدا مقارنة باعداد حالات العنف، فمعظم حالاته لا تصل الى الأجهزة الضبطية الرسمية ومن ثم لا يتم تدوينها. يضاف الى ذلك ان مشكلة العنف الأسري تتم خلف أبواب موصدة وان مايجري خلف تلك الابواب يعد في نظر الكثيرين بما في ذلك ضحايا العنف الأسري امورا خاصة لايجوز عرضها على الآخرين. ان المرأة التي تتعرض للعنف الأسري تتردد كثيرا قبل ان تبلغ الأجهزة الرسمية بل حتى اهلها خوفا من الفضيحة والطلاق او تجنبا لعنف أكبر قد يمارسه الزوج أذا عرف بشكواها. وقد تبين من دراسة أجريت في الأردن ونشرت على موقع امان الالكتروني وهو متخصص بقضايا العنف الأسري ضد المرأة (aman.com) ان أكثر من 80% من الجرائم التي ارتكبت في المنزل لم يبلغ عنها، كما بينت دراسة أخرى جرت في تونس ان نحو 52% من النساء اللواتي تعرضن للعنف لجأن الى العائلة لحل المشكلة، بينما اتجه اقل من 4% الى مراكز الشرطة و 3,5% الى المرشدات الأجتماعيات. وتضيف الدراسة ان الحالات التي تم التبليغ عنها هي لنساء تضررن جسديا بدرجة لاتمكنهن من أخفاء الضرر بينما يوجد حالات أقل ضررا لا تصل للأجهزة الرسمية ولا يتم التبليغ عنها. ولتقديم صورة عن ظاهرة العنف الأسري في بعض البلدان فأن بعض المصادر تشير الى ان نسبة مرتفعة من النساء يتعرضن للعنف الجسدي من قبل أزواجهن فنحو 30% من الامريكيات تعرضن لعنف الزوج، بينما ترتفع النسبة الى 51% في فرنسا، ثم تبلغ النسبة أوجها في الهند لتبلغ 80% الا نها تهبط في مصر الى 33% وفي فلسطين ترتفع الى 52% وفي الأردن تبلغ النسبة 48%. وفي الدراسة التي اعدتها اليسا دلتافو (1999) في الولايات المتحدة أشارت الباحثة الى ان 4 ملايين أمرأة وقعن ضحايا للعنف الأسري عام 1994 وأن 20% منهن كانت اصاباتهن بليغة، وأن 33% من النساء اللواتي ترددن على أقسام الأسعاف في المستشفيات كان ذلك بسبب تعرضعهن لأذى جسدي من أقارب. أشارت الباحثة كذلك الى ان 60% من حوادث قتل النساء أرتكبت بواسطة الزوج أو العشيق، وأن 25% من مرضى الأضطرابات النفسية ومن حاولوا الانتحار كانوا في الأصل ضحايا عنف أسري. وتضيف الباحثة ان 85% من النساء والأطفال الذين خضعوا لبرامج تأهيل نفسي واجتماعي في مراكز متخصصة لذلك كانوا في الأصل ضحايا عنف أسري. اما في الأردن وحسب موقع امان الالكتروني فأنه يورد ارقاما مقلقة فبياناته تشير الى ان 65% من حالات العنف ضد المرأة تقع من أقارب الزوجة، منها 30% من الأخ و 29% من الزوج و 22% من الأب. وقد أحتل قتل القريبات دفاعا عن الشرف المرتبة الأولى بما نسبته 56% و اغتصاب الزوجة المرتبة الثانية بنسبة 23% وهتك العرض المرتبة الثالثة بنسبة 21%، وأشار الموقع الى ان 29% من الجرائم المبلغ عنها هي ما يندرج تحت مايسمى بجرائم الشرف. وفي الضفة الغربية وغزة بينت دراسة أجريت عام 1999 ان 52% من النساء الفلسطينيات تعرضن للضرب مرة واحدة على الأقل خلال العام السابق، وأن 27% منهن أجبرن من قبل أزواجهن على ممارسة الجنس ما يعد عنفا، كما بينت الدراسة ان 40% النساء اللواتي تعرضن للعنف الجسدي والجنسي والنفسي أظهرن مستوى أدنى من تقدير الذات مقارنة باللواتي لم يتعرضن للعنف.

وفي دراسة حديثة اعدها كاتب هذه السطور (2007) في المملكة العربية السعودية فأن العنف اللفظي ضد المرأة يعد شائعا بدرجة كبيرة، يليه العنف الأجتماعي الذي من صوره حجب بعض الحقوق الأساسية للمرأة وربما منعها من التعليم والعمل وتقييد حركتها وعدم أخذ رأيها في اختيار الشريك وربما تزويجها من شخص يكبرها في السن. يلي ذلك العنف الأقتصادي ومن أمثلته سلب حقوق المرأة الأقتصادية كالأستيلاء على دخلها، واحيانا انكار حقها في الميراث من قبل الأخوة وبعض الأقارب رغم ان المحاكم الشرعية السعودية لا تقر ذلك شريطة ان تتقدم الضحية بشكوى. وقد تبين من الدراسة ان المرأة المتزوجة تقع في الغالب ضحية عنف الزوج أكثر من أي شخص آخر، بينما تقع غير المتزوجة ضحية عنف الأخ بدرجة تفوق عنف الأب أو الأطراف الأخرى. بينت الدراسة كذلك ان انواع العنف الأسري الأخرى والشديدة كالعنف الجنسي sexual abuse والعنف البدني هما أقل الأنواع انتشارا وهو أمر مطمئن الى حد ما، الا ان الأنواع الأخرى تظل منتشرة بصوره مقلقة ما يستدعي عمل شيء بهذا الخصوص.

ويعكس تفشي العنف الأسري ضد المرأة عدة أمور منها غياب السياسات والتشريعات الأجتماعية التي تعالج العنف وتحد من وقوعه، وعدم تمكن الضحايا من الوصول الى الأجهزة الضبطية لتقديم الشكاوى خوفا من الفضيحة والطلاق. ويظل اعتماد النساء على الرجال ماديا ومعنويا اسباب أخرى تمنعهن وبدرجة كبيرة من طلب الحماية من الأجهزة الرسمية. ومن اسباب تفشي العنف الأسري ضد المرأة كذلك عدم توفر عدد كاف من مراكز الأستشارات الأسرية التي تقدم المساعدة للمرأة ضحية العنف، وأفتقار المحاكم الشرعية الى عناصر نسائية في الجهاز القضائي (كباحثات قضايا ومحاميات) لمساعدة المرأة على التعامل مع قضايا العنف الذي تواجهه في المنزل. وتظل قضية الثقافة السائدة والعادات والتقاليد والفروق الصارخة بين الجنسين التي تهمش دور المرأة، وأبوية المجتمع، وذكوريته الطاغية، من الأسباب الرئيسية التي تخلق بيئة خصبة تساعد على انتشار العنف الأسري ضد المرأة، وانه مالم يحدث تحول ثقافي شامل في المجتمع العربي ووعي تام بحقوق المرأة الشرعية والاجتماعية فأن الحال ستبقى عليه وربما أسوأ

د.خالد بن عمر الرديعان