يقوم اللعاب في الفم بترسيب مركبات بروتينية-سكرية تشكل طبقات رقيقة وشفافة على سطوح الأسنان مما يساعد بكتيريا الفم التي تستوطن بصورة طبيعية وكثيرة بالفم على الالتصاق بهذه الطبقات، وبعدها تتكاثر البكتيريا وتتراكم بكميات أكبر، وتشكل عدة طبقات عضوية رقيقة تعرف باسم اللويحات السنية الميكروبية Plaque على سطوح الأسنان، وفوق وتحت حافة اللثة، وعلى الترميمات والتعويضات السنية.
وإذا لم يتم تنظيف الأسنان جيداً وبصورة دائمة يوميا، واستمر تراكم اللويحات البكتيرية لفترة عدة أسابيع وأشهر فقد تسبب تسوس الأسنان والذي يعدّ آفة مرضية واسعة الانتشار في العالم، وتؤدي إلى فقدان ملايين الأطفال والكبار لأسنانهم. كما أن استمرار تواجد اللويحات السنية البكتيرية يؤدي أيضا إلى التهاب اللثة والذي يتميز باحمرار وانتفاخ اللثة وسهولة نزفها، وقد يتطور هذا الالتهاب ليصل إلى الأجزاء العميقة من الأنسجة المحيطة بالأسنان، فيؤدي إلى مرض التهاب حوالي السن/ الأنسجة الداعمة السنية. وهذا المرض إذا لم يعالج خلال فترة قصيرة فقد يؤثر على العظم الداعم للسن وينتج عنه جيب سنّي، وعادة يمتلئ الجيب السنّي باللويحات التي تتحول مع الوقت إلى ترسبات عضوية - كلسية صلبة بشكل حصيات تحت اللثة مما يؤثر على ثبات الأسنان وخسارتها على المدى البعيد، وبخاصة إذا لم تتم صيانتها بسرعة.
تشترك عدة عوامل رئيسية بعملية تسوس الأسنان، وهي: نوع أسنان الفرد، وأنواع الغذاء الذي يتناوله الشخص، ومدى تراكم بقايا الطعام واللويحات الميكروبية على الأجزاء السطحية للثة والأسنان وعدم التخلص منها بتنظيف الأسنان، إضافة إلى الفترة الزمنية اللازمة لإتمام عملية تسوس الأسنان.
الأسنان وبيئة الفم
تختلف بيئة الفم من شخص إلى آخر حسب مكونات مادة أسنانه من العناصر المعدنية، ومقدار احتوائها الخارجي على مركب الفلورايد الذي يعمل على تقوية طبقة ميناء السن. وقد أثبتت الدراسات بأن مركب الفلورايد إذا توفر في مياه الشرب أو معجون الأسنان يقلل كثيرا من تسوس الأسنان، ومن الحاجة إلى الحشوات السنية، كما يمنع الفلورايد على تكاثر بكتيريا اللويحات، ويساعد على إعادة معدنة ميناء الأسنان إذا لحقه ضرر من الحموض العضوية التي تنتجها بكتيريا اللويحات. ومن المعروف أن اللعاب يحتوي كميات قليلة من مركبات الفوسفور والكالسيوم التي تشترك في إعادة معدنة ميناء الأسنان، وتحافظ على صلابة وسلامة الأسنان من التشققات.
وتتألف مادة ميناء الأسنان من فوسفات الكالسيوم المائية، وهذه تعد أصلب مادة موجودة في جسم الإنسان، ولكونها لا تحتوي على نهايات عصبية، فتقوم بحماية الأسنان من التآكل نتيجة عملية المضغ، وكما تمنع وصول أو تراكم الأحماض العضوية التي تنتجها بكتيريا الفم إلى عاج الأسنان الحساس، وتحميه من المؤثرات الخارجية.
تأثير سكر الطعام
يشتد خطر حدوث تسوس الأسنان نسبيا مع عدد المرات التي يتناول فيها الشخص يوميا وبين وجبات الطعام الرئيسية مادة السكر الأبيض (السكروز) في الشراب والطعام، وبخاصة السكر المذاب في السوائل مثل؛ الشاي والقهوة أو في أصناف الحلويات المختلفة والشوكولاتة والتوفي وغيرها.
ويعود سبب ضرر جميع مركبات السكر بخاصة على الأسنان كونها سريعة الذوبان في السوائل، ويتم امتصاصها بسرعة من طبقات اللويحات، فتصبح كمادة منشطة لزيادة تكاثر البكتيريا في اللويحات السنية، وبخاصة إذا أهمل الشخص غسل الفم وتنظيف الأسنان بعد تناول وجبات الحلويات، ويسبب سكر الحليب والفواكه نسبيا ضرراً أقل من سكر السكروز.
وتستوطن أنواع كثيرة من البكتيريا على سطح أنسجة الفم وبين الأسنان واللثة، كما توجد أنواع قليلة من الفطريات والطفيليات في الفم، وجميع هذه الميكروبات تعيش في انسجام وتوافق مشترك إذا توفرت شروط المعيشة الطبيعية في الفم. ولكن هناك أنواع خاصة من بكتيريا اللويحات، وبصورة خاصة مجموعة ستربتوكوكس الخضراء، تقوم بتحويل مركب سكر السكروز إلى جزئي سكر الغلوكوز والفركتوز، ومن ثم يتم إنتاج مركب الديكستران من سكر الغلوكوز، ويعتبر هذا المركب السكري الجديد مادة لزجة لاصقة تتحد مع مخلفات بكتيريا اللويحات البروتينية السكرية المعقدة التركيب، وتلتصق بشدة على سطوح اللثة وبين فراغات وتشققات الأسنان. وفي الوقت ذاته تنشط أنواع أخرى من بكتيريا اللويحات، ومنها أنواع عصيات بكتيريا حمض اللبن بتحليل مركب الفركتوز بواسطة عملية الاختمار إلى حمض اللبن وغيرها من الأحماض العضوية.
وبذلك يتأثر سطح ميناء الأسنان تدريجيا بتواجد حامض اللبن الذي يذيب المادة التي يتكون منها ميناء السن. وفي حالة إهمال نظافة الأسنان لفترة عدة أسابيع، وعدم البدء بعلاج التسوس في ميناء السن، يتطور التسوس وينتشر إلى تجويف السن، فيصيب العاج ويصل إلى لب وجذر السن، فيحدث التهاب مزمن بأنسجة رباط حوالي السن مما يهدد السن بالفقدان. ومما يذكر أنه يمكن إعادة معدنة ميناء السن بتحسين بيئة الفم، باستعمال معجون أسنان جيد وبتنظيف الأسنان عدة مرات باليوم.
ومن أخطر مضاعفات تسوس الأسنان احتمال تسرب بعض أنواع بكتيريا الفم إلى مجرى الدم، وتسبب التهابات كامنة غير حادة في بعض أنسجة الجسم وبخاصة في القلب، وهذه تؤدي إلى حدوث تفاعلات مناعية عند المريض. وقد تتطور هذه التفاعلات إلى حدوث أضرار في القلب وأجزاء أخرى بالجسم، بسبب كونها تولد أجساما مضادة نوعية تتفاعل مع مستضدات نسيج شغاف القلب ومع أنسجة المفاصل والعضلات الأخرى، مما يؤدي إلى حدوث التهابات موضعية حادة ومزمنة في مفاصل الجسم وتلف في الأنسجة المصابة.
الوقـايــة
تتركز استراتيجية مكافحة تسوس الأسنان على عملية المواظبة على تنظيف الأسنان جيدا، ويوميا باستعمال فرشاة ومعجون أسنان جيد يحتوي مادة الفلورايد، ويوصى أيضا بخفض كمية تناول السكريات بين وجبات الطعام إلى أقل حد ممكن، والعناية بتناول غذاء صحي متوازن يحتوي العناصر الغذائية الضرورية، وبخاصة زيادة تناول أصناف الخضار الورقية والفواكه الطازجة، فجميعها تساعد على خفض نسبة تركيز الأحماض العضوية التي تنتجها بكتيريا اللويحات في الفم.
وأما موضوع إضافة مادة الفلورايد إلى مياه الشرب بالمقدار المناسب وحسب المسموح به طبيا، فهو موضوع علمي شائك ويحتاج إلى دراسات وافية من أهل الاختصاص، كون ماء الشرب وبعض أنواع الطعام والشراب في كل بلد ومنطقة جغرافية له نوعية كيميائية خاصة به، وقد تحتوي هذه الأنواع على كميات كافية من الفلورايد، فتصبح إضافته إلى ماء الشرب لا ضرورة لها.
د. عاصم الشهابي، أستاذ الميكروبات الطبية بكلية الطب – الجامعة الأردنية
المصدر
http://www.alghad.com/?news=466310


رد مع اقتباس

.gif)
.gif)

مواقع النشر (المفضلة)